الأحد، ديسمبر 28، 2025

مجلة وجدانيات الأدبية (( تلاعبوا بالألفاظ وزيّفوا المعاني )) بقلم الشاعر فادي عايد حروب ( الطياره ) /فلسطين



تلاعبوا بالألفاظ وزيّفوا المعاني
في زمنٍ صار فيه الكلام قناعًا، وأضحت اللغة عباءةً فضفاضة تُوارِي تحتها النوايا، نشأت قدرة عجيبة على تسمية الأشياء بغير أسمائها. أتقنّا فنّ التورية حتى غدت الحقيقة غريبةً في وطنها، منفيةً عن ألسنة أهلها.
أصبحوا يُسمّون الاحتلال «قوةً اقتصاديةً وازدهارًا ونموًا اقتصاديًا»، ويُطلقون على القمع «نظامًا»، وعلى الاستبداد «حزمًا». سمّوا الفقر «تقشفًا»، والظلم «إجراءات»، والسرقة «خصخصة». زيّنوا الهزيمة فغدت «انسحابًا تكتيكيًا»، وغلّفوا الخيانة حتى صارت «براغماتية سياسية». وفي الشارع، تحوّلت الرشوة إلى «إكرامية»، والمحسوبية إلى «واسطة»، والنفاق إلى «دبلوماسية اجتماعية». وسمّوا الجهل «بساطة»، والتخلّف «أصالة»، والتعصّب «غيرةً على الدين».
ولم يكتفوا بذلك، بل قلبوا المفاهيم رأسًا على عقب؛ فجعلوا الانحلال حرية، والالتزام بالأخلاق والمبادئ تحجّرًا وتخلّفًا. صفّقوا للعري وسمّوه «تحررًا»، وسخروا من العفّة ونعَتوها «رجعية». اختلّ الميزان، فأضحى الفاضل متزمّتًا، والمنحلّ متحضّرًا. سمّوا الانفلات «انطلاقًا»، والفوضى «حريةً شخصية»، وهدم القيم «تقدّمًا». أطلقوا على الحياء «عقدةً نفسية»، وعلى الحشمة «قيودًا اجتماعية»، وعلى الأدب «كبتًا للذات».
هؤلاء المتلاعبون بالألفاظ يدركون أن من يملك تسمية الأشياء يملك تشكيل الوعي. فاللفظ ليس صوتًا عابرًا، بل سلاحًا يُشرعن الباطل ويُموّه الحق. وهم يعلمون أن الجريمة، حين تُلبس ثوب المصطلح الأنيق، تفقد بشاعتها في أعين الناس، وأن القيم، حين تُشوَّه بالألفاظ الملتوية، تفقد قداستها في النفوس.
لكنهم ينسون، أو يتناسون، أن الشجرة المثمرة حين تُجرَّد من أوراقها وثمارها، وتفقد ما يمنحها قيمتها، لا تصير أجمل ولا أحقّ بالإعجاب، بل تغدو خشبًا يابسًا؛ إمّا حطبًا يُلقى في النار ليُدفئ غيره ثم يصير رمادًا، وإمّا خشبًا يُداس في صناعة الأحذية. هكذا المجتمعات حين تتعرّى من أخلاقها، وتتخلّى عن مبادئها وهمًا بالتحرّر؛ لا تزداد تحضّرًا، بل تفقد جوهرها، وتخسر ما يحميها من التفكك والضياع.
فالحرية الحقيقية ليست في الانفلات من كل قيدٍ وخلق، بل في التحرر من عبودية الشهوات والأهواء. الحرية أن تملك إرادتك، لا أن تُستعبد لكل نزوة عابرة. والتقدّم الحقّ ليس في هدم الموروث كلّه، بل في التمسّك بما هو نافع ونبيل منه، وتطويره لا اجتثاثه.
ومهما طال ليل الحقيقة، فلا بدّ لفجرها أن يشرق. والكلمة الصادقة، وإن خفت صوتها، تبقى أقوى من ألف مصطلح زائف. فالجوع لا يشبع بتغيير اسمه، والظلم لا يصير عدلًا بعناوين برّاقة، والموت لا يغدو حياةً لأننا أعدنا تسميته. والانحلال لا يصير فضيلةً إذا ألبسناه ثوب الحرية، كما أن القيم لا تموت لأن البعض نعتها بالتخلّف.
إن اللغة أمانة، والكلمة مسؤولية. ومن يتلاعب بالألفاظ إنما يُزوّر الوعي ويسرق من الناس حقّهم في معرفة الحقيقة؛ لصٌّ من نوعٍ خاص، يسرق المعنى قبل الشيء، ويقتل الفكرة قبل الجسد. فالأمم التي تخلّت عن أخلاقها لم تصر أعظم، بل صارت أكثر ضياعًا، والشعوب التي استبدلت قيمها بشعارات براقة انتهت تائهةً، بلا هوية تُمسك بها، ولا جذور تحميها من عواصف التغيير.
فلنُعِد للكلمات كرامتها، ولنُسمِّ الأشياء بأسمائها. فالخبز خبز، والجوع جوع، والحرية حرية، والأخلاق أخلاق، والانحلال انحلال. ولنعلم أن الشجرة تبقى شجرةً بثمارها وأوراقها، لا بتعرّيها، وأن الإنسان يبقى إنسانًا بأخلاقه ومبادئه، لا بتخلّيه عنها. ومن ظنّ أن العري جمال، فلينظر إلى مصير الأشجار العارية في شتاءٍ قارس.
وما عدا ذلك، ليس إلا ضبابًا يصنعه من يخشى وضوح النهار، وزيفًا ينسجه من يهاب مواجهة الحقيقة.
بقلم فادي عايد حروب (الطياره)
فلسطين – جميع الحقوق محفوظه

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مجلة وجدتنيات الأدبية (( حين يشبه القدر الوجوه )) بقلم الكاتب ماهر اللطيف /تونس

بقلم: ماهر اللطيف/ تونس اقتربت منها بين صلاتي العشاء والتراويح بعد أن تخطّت الصفوف تباعًا، وأمسكت كتفها هامسة في أذنها: — انتظريني خارج الجا...