الجمعة، يناير 02، 2026

مجلة وجدانيات الأدبية (( تغريبُ الروح: حين نفقد البوصلة في زحام الحداثة )) بقلم المتألق فادي عايد حروب (الطيّارة) – فلسطين



تغريبُ الروح: حين نفقد البوصلة في زحام الحداثة
بقلم: فادي عايد حروب (الطيّارة) – فلسطين
في زمنٍ ضجّت فيه المادّيات، وتعارفت فيه الأجساد عبر الأثير، تتجلّى أمامنا ظاهرةٌ خطيرة تتسلّل بصمتٍ إلى أعماق مجتمعاتنا؛ إنّها تغريبُ الروح.
وليست الغربة هنا ارتحالًا عن الأوطان، بل ارتحالُ الروح عن قيمها، واغترابُ الإنسان عن هويته الأصيلة، في مهبّ حداثةٍ جارفة لا تعبأ بما تخلّفه من فراغٍ داخلي وخرابٍ معنوي.
ضياع الهوية في عصر «الاستنساخ»
لقد استبدلنا الذي هو أدنى بالذي هو خير؛ فغدا التقليد منهجًا، والترند قبلة، والاختلاف تهمة.
يكشف المشهد الاجتماعي المعاصر حالةَ انفصامٍ مقلقة: نعيش في أوطاننا، لكن عقولنا مستلبة، ووجداننا مشدود إلى بريق ثقافاتٍ مستوردة لا تشبهنا في جوهرها ولا تعبّر عن تاريخنا أو قيمنا.
لم يعد التغريب مقتصرًا على الملبس أو المأكل، بل طال صميم القيم؛ فاختلط المعروف بالمنكر، وتآكلت تلك الهيبة التي كانت تميّز الشخصية المؤمنة بوسطيتها واتزانها، لتحلّ محلها هشاشة فكرية وتيهٌ أخلاقي.
«الوهن» في حلّته الجديدة
إنّ «غُثاء السيل» الذي حذّر منه المصطفى ﷺ يتجسّد اليوم في صورٍ معاصرة من تغريب الروح.
حين تتعلّق القلوب بالمظاهر، ويغدو الاستهلاك غاية الوجود، يتسلّل الوهن إلى النفوس؛
وهنٌ يجعلنا كثرةً في العدد، خفافًا في ميزان التأثير، لأنّ الروح التي انقطعت عن مصدر عزّها — القرآن والسنة — تصبح روحًا هشّة، تميل مع كل ريح، وتستسلم لكل تيّار.
الاستلاب الأخلاقي وأثره في الواقع
لا يمكن فصل تغريب الروح عن واقعنا السياسي والاجتماعي؛
فمن اغترب عن أخلاقه في سبيل منفعةٍ زائلة، هو ذاته من يشتكي غياب العدل والأمانة.
لقد أدّى استيراد الأفكار المشوّهة، والتحلّل من الالتزامات الروحية، إلى تحويل المجتمع إلى جسدٍ بلا روح؛ فغابت الرقابة الذاتية، وحلّت الأنانية محلّها، وتآكل النسيج الذي يحفظ للأمّة تماسكها وقوّتها.
العودة إلى الذات… طريق الخلاص
إنّ علاج تغريب الروح لا يكون بالانغلاق، بل بالاستعلاء بالإيمان، والوعي العميق بالهوية.
إنّها دعوةٌ صادقة للعودة إلى الفطرة، وإلى الصفاء الذي يمنحه المنهج الإلهي للإنسان حين يعرف موقعه من الحياة ودوره فيها.
وكما قيل:
«من لم يُحيِ روحَه بالوحي، عاش غريبًا وإن سكن القصور».
إنّ صلاح الحكم وصلاح المجتمع يبدأ من استرداد هذه الروح المغتربة؛
فإذا اصطلح العبد مع ربّه، وعرف قدر هويته، لم يعد غثاءً تذروه الرياح، بل غدا لبنةً صلبة في بنيانٍ مرصوص.
التوقيع:
فادي عايد حروب (الطيّارة)
فلسطين
جميع الحقوق محفوظة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مجلة وجدانيات الأدبية (( حكاية شيرين أبو عاقله )) بقلم الشاعر د. أسامه مصاروه

حكايةُ شيرين أبو عاقِله في الذكرى الثالثة لاسْتِشْهادِها وَصلتْ لجنينَ كبدرٍ هَلْ وبِقلْبٍ صافٍ مثلِ الطَلْ وًصلتْ لِتُغطي ما يعْملْ جيشٌ فظ...