الأربعاء، فبراير 25، 2026

مجلة وجدانيات الأدبية (( نفحات من نور النبوة ﷺ الجزء السادس: سؤال الثبات — كيف لا نفقد النور؟ )) بقلم الشاعر فادي عايد حروب /فلسطين





نفحات من نور النبوة ﷺ
الجزء السادس: سؤال الثبات — كيف لا نفقد النور؟
— مدخل الراوي —
أصعب من العثور على النور —
أن تظل مضيئًا به.
بعد كل لقاء حقيقي مع النور،
يأتي السؤال الذي لا مفرّ منه:
هل ستبقى؟
ليس سؤالًا يُطرح بصوت مسموع،
بل تطرحه الحياة بصمت —
في موقف عابر،
في تفصيلة صغيرة،
في لحظة لا يراك فيها أحد
إلا أنت وربك.
البداية تحتاج شجاعة لحظة،
لكن الثبات يحتاج جذرًا.
والقلب — كما وصفه صاحبه ﷺ —
يتقلب أكثر مما نظن.
ويهمس الراوي:
سؤال الثبات ليس: كيف لا نخطئ؟
بل هو: كيف لا نتوه حين نخطئ؟
وكيف نُبقي القنديل مشتعلًا
حين تهدأ حرارة البدايات؟
الفصل الأول: ما بعد الحماس
كل من سلك طريقًا جديدًا يعرف هذه المرحلة —
مرحلة ما بعد الحماس.
حين يهدأ بريق اللقاء الأول،
وتعود الحياة بتفاصيلها المعتادة،
تبدأ تكاليف الطريق تظهر واحدةً واحدة،
كأنها كانت تنتظر خلف الباب
حتى ينتهي الاحتفال.
لم أفقد الإيمان،
لكنني فقدت أحيانًا الشعور به.
وهذا الفقد أشد وطأة من الشك ذاته.
الشك يدفعك إلى البحث،
أما الفتور الصامت فيجعلك تجلس مكانك
دون أن تعرف كيف تتحرك.
هناك أدركت:
النور يحتاج إلى “زيت” يومي.
دعاءٍ خفي.
مجاهدةٍ لا يراها أحد.
صلةٍ تتجدد حين يجف الوجدان.
الثبات ليس حرارة الشعور،
بل استمرار الصلة حين تبرد المشاعر.
الفصل الثاني: الاختبار في التفصيلة الصغيرة
لم يأتِ الاختبار كعاصفة،
بل كنَسمة خفيّة.
مصلحة واضحة في اتجاه،
والصواب في اتجاه آخر.
لا شهود.
لا رقابة.
لا شيء يجبرك على أي خيار.
وقفت لحظة —
وقفة المتردد الذي يقيس ويحسب،
ويزن التكلفة،
ويتساءل إن كان أحد سيلاحظ.
وفي تلك اللحظة،
ارتفع السؤال في قلبي بوضوح مؤلم:
اخترت النور حين كان مريحًا…
فكيف ستختاره حين يكون مكلفًا؟
التردد لم يكن عدوي،
بل كان المرآة التي كشفت
أن جذوري لم تتعمق بعد.
هناك فهمت الفرق بين شجرة لم تختبر الريح
وشجرة عبرت العاصفة وعرفت أن جذورها حقيقية.
واخترت الصواب.
لم يكن شعور انتصار،
بل سكينة هادئة
تشبه من أدى ما عليه في الخفاء.
وتذكرت قوله ﷺ:
«اتقِ الله حيثما كنت».
حيثما كنت —
لا حيث يراك الناس.
الفصل الثالث: مدرسة الصدّيق
حين اهتزّ قلبي في تلك اللحظة،
تذكرت موقفًا من سيرة الصحبة.
بعد وفاة النبي ﷺ،
وارتجّت المدينة، وتردّد الناس،
وقف أبو بكر الصديق رضي الله عنه
في وجه الفتنة بثبات عجيب.
لم يكن حماسًا عاطفيًا،
بل يقينًا تراكَم عبر سنوات الصحبة.
قال كلمته، ومضى.
الثبات لا يُبنى في لحظة،
بل في تفاصيل صغيرة متكررة،
في كل مرة تختار فيها الصواب رغم ثمنه.
لبنة فوق لبنة.
حتى يصير في القلب مرساة.
الفصل الرابع: يا مقلب القلوب
ثم وقفت عند دعائه ﷺ،
هو — محمد ﷺ —
كان يُكثر أن يقول:
«اللهم يا مقلب القلوب، ثبت قلبي على دينك».
إن كان المعصوم يسأل الثبات،
فكيف نأمن نحن التقلب؟
أدركت أن الثبات
ليس إنجازًا شخصيًا نفتخر به،
بل مددٌ إلهي نستجديه.
الهشاشة التي كنت أهرب منها
صارت بوابتي للدعاء.
أنا ضعيف — إذًا أحتاج القوي.
أنا متقلب — إذًا ألوذ بالثابت سبحانه.
الثبات ليس صلابة حجر،
بل ليونة شجر —
تهتز في الريح،
لكن جذورها لا تنقلع.
الفصل الخامس: الخبيئة وسر الجذور
سألت نفسي: كيف يثبت من يثبت؟
وجدت الجواب في “الخبيئة”.
النور الذي يراه الناس في وجهك
أصله نار أوقدتها وحدك مع الله
في جوف الليل.
الثبات يُصنع في الخلوات.
حيث لا رياء،
ولا تصفيق،
ولا شهود إلا الواحد الأحد.
حين تزرع في الخفاء،
يثبت ساقك في العلن.
ليس الثبات شعورًا فقط،
بل فعل يومي بسيط:
كلمة طيبة رغم الضيق،
صبر على من يسيء،
أمانة تُؤدى في غياب الرقيب.
التفاصيل الصغيرة
هي الحجارة التي يُبنى منها الثبات الحقيقي.
الفصل السادس: فقه السقوط والعودة
سؤال الثبات لا يعني أن لا تسقط.
بل أن لا تستقر في السقوط.
العودة ذاتها
ليست هزيمة —
بل جوهر الثبات.
أن تعود بعد زلة،
أن تجدد العهد،
أن تقوم لأنك تعلم أن باب الله لا يُغلق.
كل اختيار صحيح يُسهّل الذي يليه.
وكل سقوط تُصلحه يقوّي بصيرتك للمرات القادمة.
الثبات ليس حالة تصلها وتستريح،
بل قرار يتجدد
كل صباح، وأحيانًا كل ساعة.
— خاتمة الراوي —
سؤال الثبات لن يُجاب مرة واحدة،
لأنه لن يُسأل مرة واحدة.
سيعود في هيئة موقف صغير،
أو فتور صامت،
أو وحدة مفاجئة،
أو إغراء لا يراك فيه أحد.
والجواب لا يُقال بالكلام،
بل يُكتب بالاختيارات.
واحدةً واحدة.
اللقاء الأول أعطاك الوجهة،
وسؤال الثبات يعطيك الاستمرار.
فيا رب —
ثبت قلوبنا،
واجعل سجدتنا موضع قوتنا،
وافتقارنا سرَّ ثباتنا،
ونور نبيك ﷺ دليلنا حتى نلقاك.
فادي عايد حروب — فلسطين
● يتبع في الجزء السابع: رجفة قلب

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مجلة وجدانيات الأدبية ((دعوا النعرات واتحدوا)من ديوان (دموع الوطن)) للأديبة د. تغريد طالب الأشبال/العراق

*************** الأديبة د. تغريد طالب الأشبال/العراق …………………… (دعوا النعرات واتحدوا)من ديواني(دموع الوطن) ………………….. بَنو قومي: إذا الأحقادَ ...