الأربعاء، فبراير 25، 2026

مجلة وجدانيات الأدبية (( قصة قصيرة " لامارتين ")) بقلم القاص / د. عَبْدُ الرَّحِيمِ الشويلي


«آهْ يَا عَزِيزِتي، كَمْ يُطْرِبُنِي صَوْتُكِ وَأَنْتِ صَامِتَةٌ.»
— لَامَارْتِين
قِصَّةٌ قَصِيرَةٌ
الصَّمْتُ لَا يَلِيقُ بِكِ، سَيِّدَتِي..!!.
دَخَلَ الرَّجُلُ الْمَقْهَى وَفِي يَدِهِ كِتَابٌ قَدِيمٌ لِلرُّومَانْسِيِّينَ.
جَلَسَ، تَنَحْنَحَ، وَقَالَ بِنَبْرَةٍ مَسْرَحِيَّةٍ:
— هَلْ تَعْلَمِينَ أَنَّ لَامَارْتِين قَالَ: «كَمْ يُطْرِبُنِي صَوْتُكِ وَأَنْتِ صَامِتَةٌ»؟
رَفَعَتِ الْمَرْأَةُ حَاجِبًا وَاحِدًا، وَكَانَ ذٰلِكَ الْحَاجِبُ يَكْفِي لِإِسْقَاطِ نَظَرِيَّةٍ مِنَ الْقَرْنِ التَّاسِعِ عَشَرَ.
— حَقًّا؟
— نَعَمْ، الصَّمْتُ مُوسِيقَى.
— جَمِيلٌ… إِذَنْ لِنُجَرِّبْ.
سَكَتَتْ.
مَرَّتْ ثَلَاثُ ثَوَانٍ.
اِرْتَبَكَ.
أَرْبَعُ ثَوَانٍ.
بَدَأَ يُحَرِّكُ فِنْجَانَهُ دُونَ سَبَبٍ.
خَمْسُ ثَوَانٍ… فَسَمِعَ صَرِيرَ الْكَرَاسِيِّ، وَصَفِيرَ آلَةِ الْقَهْوَةِ، وَسُعَالَ رَجُلٍ عَجُوزٍ فِي الزَّاوِيَةِ.
قَالَ مُتَوَتِّرًا:
— لِمَاذَا أَشْعُرُ أَنَّ الْعَالَمَ أَصْبَحَ فَارِغًا؟
اِبْتَسَمَتْ بِهُدُوءٍ:
— لِأَنَّكَ خَلَطْتَ بَيْنَ الشِّعْرِ وَالْحَيَاةِ.
— وَلٰكِنَّ الصَّمْتَ رُومَانْسِيٌّ!
— الصَّمْتُ جَمِيلٌ حِينَ يَكُونُ اِسْتِرَاحَةً… لَا حِينَ يَكُونُ غِيَابًا.
تَنَفَّسَ بِعُمْقٍ:
— الرَّجُلُ يُحِبُّ الْمَرْأَةَ هَادِئَةً…
ضَحِكَتْ ضَحْكَةً خَفِيفَةً، لٰكِنَّهَا كَانَتْ كَافِيَةً لِتُرْبِكَ ثِقَتَهُ.
— وَهَلْ تُرِيدُنِي لَوْحَةً عَلَى جِدَارِكَ؟
صَوْتُ الْمَرْأَةِ لَيْسَ ضَجِيجًا… إِنَّهُ دَلِيلُ تَشْغِيلِ الْحَيَاةِ.
— دَلِيلُ تَشْغِيلٍ؟!
— نَعَمْ.
حِينَ أَقُولُ: «اِنْتَبِهْ» تَنْجُو.
حِينَ أَقُولُ: «تَوَقَّفْ» تَبْقَى حَيًّا.
حِينَ أَقُولُ: «أُحِبُّكَ» تَعُودُ إِنْسَانًا.
صَمَتَ هٰذِهِ الْمَرَّةَ صَمْتًا مُرَاجِعًا لَا صَمْتًا شَاعِرِيًّا.
قَالَ بِصَوْتٍ أَخْفَضَ:
— رُبَّمَا أَحْبَبْتُ الصَّمْتَ لِأَنِّي خِفْتُ مِنَ الْحَقِيقَةِ.
قَالَتْ بِثِقَةٍ:
— وَصَوْتُ الْمَرْأَةِ هُوَ الْحَقِيقَةُ.
هُوَ الْحَيَاةُ حِينَ تَتَكَلَّمُ.
هُوَ الْاِعْتِرَاضُ حِينَ تَنْحَرِفُ.
هُوَ الْمُوسِيقَى حِينَ يَبْرُدُ الْعَالَمُ.
أَغْلَقَ كِتَابَهُ بِهُدُوءٍ، وَقَالَ مُبْتَسِمًا:
— يَبْدُو أَنَّ الصَّمْتَ لَا يَلِيقُ بِكِ، سَيِّدَتِي.
ضَحِكَتْ.
وَفَجْأَةً شَعَرَ أَنَّ الْمَقْهَى أَصْبَحَ أَكْثَرَ دِفْئًا، وَأَنَّ الضَّجِيجَ أَصْبَحَ إِيقَاعًا، وَأَنَّ الْحَيَاةَ لَيْسَتْ قَصِيدَةً تُقْرَأُ… بَلْ حِوَارًا لَا يَنْتَهِي.
وَمُنْذُ ذٰلِكَ الْيَوْمِ، لَمْ يَعُدْ يَبْحَثُ عَنِ الصَّمْتِ خَلْفَ صَوْتِهَا… بَلْ أَصْغَى، كَأَنَّ الْكَوْنَ يَتَعَلَّمُ النُّطْقَ مِنْ جَدِيدٍ....!!.
القاص
د. عَبْدُ الرَّحِيمِ الشويلي
25.فبراير.2026م

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مجلة وجدانيات الأدبية (( ظنوا بأن الحلم مات وانطوى )) كلمات الشاعر حبيب عبدو بدرة

ظنوا بأن الحلم مات وانطوى وأن الفصول أغلقت أبوابها وظنوا بأن الريح إن عصفت بنا ستقتلع الجذور من أعماقها لكنهم جهلوا طباع عزيمة تنمو إذا اشتد...