***************************
نفحات من نور النبوة ﷺ
الجزء السابع: رجفة قلب
— مدخل الراوي —
ليس كلُّ ثباتٍ يولد هادئًا…
بعضه يولد مرتجفًا.
بعد سؤال الثبات،
لم أشعر بقوةٍ مكتملة،
بل برجفةٍ خفيّة،
كأن قلبي يمشي على حافةٍ ضيّقة،
يحسب الخطوة قبل أن يضعها،
ويخشى أن يختلّ
فيسقط من نفسه
قبل أن يسقط من الطريق.
كنت قد اخترت النور…
لكن قلبي لم يكن صخرة،
بل موجًا يتقلّب.
خفقاته تتسارع أحيانًا،
ورعشةٌ خفيفة تجتاح يدي،
كأن قدميّ تتشبثان بالأرض
لا لتتقدّما —
بل لتثبُتا.
وفي تلك اللحظة،
حين وقفت على الحافة وحدي،
استيقظ في داخلي مشهدٌ قديم —
ليس ذكرى عابرة،
بل جرحٌ مضيء في تاريخ النبوة.
الفصل الأول: درس الطائف
تذكّرتُ الطائف.
تلك الأرض التي قصدها النبي ﷺ
بعد أن فقد السند الأرضي،
وفقد معه ما يخفّف عنه وطأة الطريق.
خرج ﷺ يحمل النور،
لا سيفًا ولا سلطانًا،
بل كلمةً صادقة
يعرضها على قلوبٍ لم تكن مهيّأة لها.
فردّوه بالحجارة.
أُدميت قدماه الشريفتان،
وامتلأت نعلاه دمًا،
وسال الألم خلفه
وهو يمشي.
وفي ذروة الانكسار الظاهري،
لم يعلن بطولة،
ولم يتظاهر بقوة،
بل رفع ضعفه صريحًا إلى السماء:
«اللهم إليك أشكو ضعف قوتي،
وقلة حيلتي،
وهواني على الناس…
إن لم يكن بك غضبٌ عليّ فلا أبالي،
غير أن عافيتك أوسع لي».
وقفت طويلًا عند قوله:
أشكو ضعف قوتي.
هو ﷺ،
سيد الثابتين،
لم يُخفِ رجفته البشرية،
ولم يخجل من رفعها إلى ربّه.
هناك أدركت:
الرجفة ليست نقصًا في الإيمان،
بل صدقًا في العبودية.
الفصل الثاني: زلزلة الخندق
ثم تذكّرتُ يوم الأحزاب،
حين أحاط الخطر بالمدينة،
وطال الحصار،
واشتدّ الجوع،
وبرد الليل.
ووصف الله حالهم بقوله تعالى:
﴿وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾.
لم يقل: انصرفوا.
لم يقل: تراجعوا.
قال: زُلزلوا.
القلوب اضطربت،
لكن المواقع لم تُترك.
الأجساد ثبتت
والداخل يرتجف.
هناك فهمتُ الفرق الدقيق:
الرجفة ليست سقوطًا،
السقوط أن تهرب.
أن ترتجف وأنت باقٍ —
هذا ثباتٌ من نوعٍ آخر.
ثباتٌ لا يُلغي إنسانيتك،
بل يُهذّبها.
الفصل الثالث: جلوس مع الخوف
عدتُ إلى نفسي.
نافذةٌ مفتوحة،
ريحٌ خفيفة تدخل،
وصمتٌ يملأ الغرفة.
جلستُ لا أتحرّك،
لا أبكي،
لا أتكلم،
فقط أراقب ثقل القرار
وهو يستقرّ في صدري
كحجرٍ وجد قاعه أخيرًا.
لم أكن بطلًا.
لم أكن قويًا كما ينبغي.
كنت فقط إنسانًا
جلس مع خوفه
ولم يهرب منه.
وهناك بدأت أفهم:
القلب الميت لا يرتجف.
لا يخاف.
لا يتساءل.
لا يشعر بثقل القرار.
القلب الحيّ وحده
هو الذي يخشى أن يبتعد،
لأنه عرف قيمة القرب.
الفصل الرابع: الرجفة بوابة الصدق
كنت أظن أن القوة
تعني انعدام الاضطراب.
لكنني رأيت أن أقوى لحظات النبي ﷺ
لم تكن خالية من الألم،
بل ممتلئة بالصدق.
الرجفة ليست إعلان هزيمة،
بل إعلان وعي.
وعي بأن الطريق عظيم،
وأن المسؤولية ثقيلة،
وأن القلب ليس آلةً صمّاء.
حين كففتُ عن التظاهر بالقوة،
خفّ الضجيج الداخلي.
شيءٌ هادئ بدأ يتسرّب إلى صدري،
لا يشبه الحماس،
ولا يشبه الاندفاع،
بل يشبه الطمأنينة التي تولد
بعد اعترافٍ كامل بالضعف.
كأن القلب حين يعترف
يفسح مكانًا لمددٍ أعمق.
— خاتمة الراوي —
لم أعد أطلب طريقًا بلا اهتزاز.
ولا قلبًا بلا خوف.
أطلب فقط
أن تكون رجفتي خشية،
لا يأسًا.
وأن يكون خوفي يقظة،
لا هروبًا.
فإن كان النبي ﷺ
قد رفع ضعفه دون خجل،
وإن كان الصحابة قد زُلزلوا ثم ثبتوا،
فمن أنا
حتى أبحث عن إيمانٍ بلا إنسانية؟
ومن تلك الرجفة،
ومن ذلك الجلوس الصادق مع الخوف،
بدأ الصمت يتشكل في داخلي…
صمتٌ ليس فراغًا،
بل امتلاء ينتظر أن يُفهم.
● يتبع في الجزء الثامن: في رحاب الصمت
فادي عايد حروب
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق