الأحد، مايو 24، 2026

مجلة وجدانيات الأدبية (( الصمت الحكيم )) بقلم الأديب عبدالفتاح الطياري / تونس

************
الصمت الحكيم

​رجعتُ إلى المنزل فرحًا لأزفّ خبرًا سارًّا لعائلتي... لقد نجحتُ في امتحان السياقة، واقتنيتُ المرطبات لكل العائلة لنتقاسم بهجة الإنجاز. وما إن فتحتُ فمي، حتى تعالت الأصوات الناقدة من كل حدب وصوب...
​وانتهت الجلسة العائلية كما تبدأ دائمًا: بضجيج من النصائح التي لا تنتهي، وكان صوت الأستاذة "حياة" هو الأعلى والأكثر حسمًا.
الأستاذة حياة ليست مجرد قريبة أو عابرة سبيل؛ بل هي خالتي. إنها المرأة التي تنصّبت فجأة — وبقدرة قادر — في دارنا بعد وفاة زوجتي، خبيرةً في كل مجالات الحياة؛ طبيبة نفسية تداوي الجراح بكلمة، واختصاصية طبخ وتغذية تزن السعرات الحرارية بمجرد النظر، وعالمة اجتماع تفهم خبايا النفوس، وفنّانةً في فقه الدين تفصّل الحلال والحرام على مقاس أفكارها. تتدخل في كل صغيرة وكبيرة، من طريقة طهي الطعام إلى أدق تفاصيل القرارات الشخصية، ولا تقبل بأقل من أن يكون رأيها هو السائد، والوحيد، والموفّق دائمًا... وإلا حلّ الغضب.
​في تلك الليلة، كان الألم يعتصرني. لم يكن ألمًا جسديًّا يمكن لـ "وصفاتها الغذائية" أن تشفيه، بل كان وجعًا في الروح، وخيبة ثقيلة تبحث عن صدر حنون أو أذن مستمعة دون أحكام مسبقة.
​نظرتُ إليها، وكنت على وشك أن أتحدث، على وشك أن أقول: "أنا متعب"... ولكنني تراجعت.
​لماذا أشكو ألمي؟
لماذا أشكو لامرأة صارت تصدّر الفتاوى في جميع التخصصات، بينما لا تصدّق كلمتي؟ عندما يتحول اعترافي بضعفي إلى مادة للتحليل النفسي، أو خطأ في "النظام الغذائي"، أو مجرد جولة أخرى لتثبت فيها أنها على حق وأني على خطأ، يصبح الكلام عبثًا.
​نظرتْ إليّ بنظرتها الفاحصة، تلك التي تجهّز بها فتوى جديدة أو نصيحة طبية لم يطلبها أحد. التفتَتْ نحوي بابتسامتها الواثقة، وقبل أن تنطق بكلمة... قررتُ الانسحاب.
​لم أشكُ ألمي؛ لأن الشكوى لمن لا يرى سوى رأيه هي مضيعة للقلب.
لم أجادل؛ لأن النقاش مع "موسوعة متحركة" لا تخطئ هو معركة خاسرة سلفًا.
بل صمتُّ؛ وكان صمتي هو خط الدفاع الأخير عن بقايا سلامي النفسي.
​تركتُ الأستاذة حياة تشرح للحاضرين فوائد الأعشاب، وكيفية تنظيم الوقت، وتوجيه الإحباط البشري. نسجتْ حبلًا طويلًا من الآراء التي لا تقبل النقاش، بينما كنت أنا في الزاوية الأخرى من الغرفة، أحتسي صمتي بسلام.
​انتهت الجلسة ولم نفرح بنجاحي، وحتى المرطبات بقيت على حالها داخل صندوقها، شاهدةً على فرحة وُئدت في مهدها.
​لقد تعلمت في تلك الليلة درسًا ثمينًا: ليس كل وجع يُقال، وليس كل مستمع يستحق شرف السماع. عندما تصبح "الحكمة" فرضًا بالقوة، يصبح الصمت هو أعلى درجات النضج.
بقلمي عبدالفتاح الطياري -تونس


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مجلة وجدانيات الأدبية (( إنقاذ فاشل )) بقلم الأديب ماهر اللطيف / تونس

إنقاذ فاشل بقلم ماهر اللطيف/تونس مددتُ لها يدي. قلتُ: "تعالي... انهضي. لا تنكسري. قاومي. اصنعي من ضعفك قوة..." ابتسمت. ابتسامة بار...