الثلاثاء، مايو 05، 2026

مجلة وجدانيات الأدبية (( صدى الغريبين: رقصة فوق حطام العبث )) بقلم المتألق عبدالفتاح الطياري -تونس


صدى الغريبين: رقصة فوق حطام العبث
​كان الليل في تلك المدينة الساحلية يختنق برائحة الرطوبة الممزوجة بظلم غليظ. في زنزانة انفرادية تضيق بجدرانها الصامتة، كان آدم يخط بظفره على الحجر البارد، بعناد يائس، جملة ألبير كامو الشهيرة: «في قلب الشتاء، وجدتُ في داخلي صيفاً لا يقهر».
​كان آدم، حتى وقت قريب، يملأ قاعات الجامعة بضجيج الأسئلة وشغف المعرفة. واليوم، أضحى في السجلات الرسمية "إرهابياً" خطيراً. جريمته؟ أنه اجترأ على تعليم تلاميذه أن التفكير النقدي هو أولى عتبات الحرية. ولأن السلطة المحلية كانت بحاجة ماسة إلى كبش فداء يغطي على صفقاتها المشبوهة وفشلها الذريع، حوّلت كتبه الفلسفية إلى "منشورات تحريضية"، وصمته الوقور إلى "تخطيط سري لقلب النظام".
​في الغرفة المجاورة، كان الصمت يبتلع حواء. حواء، المصورة الفوتوغرافية التي لم تكن تعرف من السياسة سوى هندسة الضوء واقتناص الظل. في لحظة عابرة، التقطت عدستها صورة لم تكن مُعدة للنشر، ظهر فيها مسؤول أمني رفيع في وضع مريب. وفي رفة عين، وُضع اسمها بجانب اسم آدم في ملف ضخم يحمل عنوان "الخلية الإرهابية المزعومة".
​تحت جنح ظلام دامس، نُقلا معاً في سيارة ترحيل عسكرية كئيبة. كانت القيود الحديدية تربط رسغيهما، مانعة أجسادهما من الحركة، لكن الأعين كانت تخوض حواراً عميقاً بلغة لا يفهمها السجانون المدججون بالسلاح.
"هل أنتِ شريكتي حقاً؟" سأل آدم بصوت خفيض، يحمل نبرة حزن تشبه حفيف الأشجار في خريف العمر.
أجابت حواء، بابتسامة مريرة ارتسمت على شفتيها المتعبتين: "يقولون إنني التقطتُ لك صوراً وأنت توزع الموت.. بينما أنا، في الواقع، لم أكن أعرف حتى لون عينيك قبل هذه الليلة".
​ابتسم آدم ابتسامة شاحبة، لكنها كانت محملة بسخرية لاذعة: "إذن، نحن الآن أبطال في رواية رديئة السبك، كتبها مخبر لا يحسن القراءة، ويخرجها سجان لا يجيد سوى القمع".
​في تلك اللحظة، وسط الظلام الدامس واهتزاز الشاحنة، لم يعد الأمر يتعلق بالتهم أو بالبراءة، بالخوف أو بالشجاعة. كان الأمر يتعلق بتلك الرابطة الميتافيزيقية الغريبة التي تنشأ بين روحين وجدتا نفسيهما فجأة في مواجهة العبث المطلق. عالم يلفق التهم، ويجرم التدريس، ويطارد الجمال، لا يمكن مواجهته إلا بالدهشة الصارخة.. وربما، بالحب.
​وفجأة، تمزق سكون الليل بصوت انفجار مدوٍ. لقد صرخت إحدى إطارات الشاحنة بقوة، مما أدى إلى فقدان السيطرة عليها وتدهورها بعنف نحو منحدر جبلي سحيق. وسط الدخان الكثيف الممزوج برائحة البارود والموت، وصراخ الحراس المستغيثين، وجد آدم وحواء نفسيهما بأعجوبة خارج الحطام المتفحم. وكم كانت الدهشة حين اكتشفا أن القيود الحديدية قد انكسرت وتناثرت بفعل قوة الاصطدام، وكأن الطبيعة نفسها ترفض تصفيدهما.
​لم يهرعا نحو "الهروب التقليدي" بحثاً عن نجاة مؤقتة، بل اندفعا نحو الغابة الكثيفة، نحو حضن الطبيعة الأم التي لا تحاكم أحداً، ولا تعرف تصنيفات "الإرهاب" أو "السلطة".
طوال أيام المطاردة المضنية، لم يتحدثا قط عن خطط للنجاة أو عبور الحدود، بل كان حديثهما يدور حول "الأمل" كفعل انتحاري نقي، وعن كيفية "خلق" منطق خاص بهما في عالم فقد صوابه ومنطقه.
​"آدم، هل تعتقد أننا سنعبر الحدود حقاً؟" سألت حواء ذات ليلة، وهي ترقب بيأس أضواء كشافات الشرطة التي تمسح الجبل المقابل كوحوش تبحث عن فريسة.
رد آدم وهو يشد على يدها بقوة، وكأنه يستمد منها الوجود: "الحدود الحقيقية، يا حواء، هي التي رسموها ببراعة في عقول الناس عنا. نحن الآن أحرار حقاً، لأننا الوحيدان اللذان يمتلكان الحقيقة وسط أمة كاملة من المخدوعين".
​عند حافة هاوية شاهقة مطلة على البحر الأبيض المتوسط، حيث تتكسر الأمواج بعنف أزلي على الصخور المحطمة، حوصر الغريبان. كانت المروحيات تحلق فوق رأسيهما مباشرة، وصوت مكبرات الصوت يصدح بقسوة، مطالباً إياهما بالاستسلام: "سلموا أنفسكم أيها الإرهابيون! لا مفر لكم!".
​نظر آدم إلى حواء. في تلك اللحظة الفارقة، لم يكن هناك أثر للخوف في عينيهما، بل كان هناك نوع من "السكينة العبثية" العميقة. لقد أدركا بوضوح أن موتهما الوشيك سيكون "البرهان الأخير والساطع" على كذب النظام وزيف ادعاءاته. لكن حياتهما معاً، ولو كانت لدقائق معدودة على هذه الحافة، كانت هي الرد الوحيد الممكن والمشروع على قبح هذا العالم.
​"حواء.. هل ترقصين معي؟" قالها آدم بجنون طفولي، جنون يليق بفيلسوف مطارد قرر أن يهزأ بالموت في وجهه.
تخيل مشهداً سينمائياً بامتياز... على حافة جرف صخري شاهق، تحت أضواء كشافات المروحيات التي تخترق ضباب الليل وتصنع هالات من النور والظل، يقف آدم وحواء. هما الآن مجرد ظليْن أسودين متشابكين، يرقصان ببطء ورقي على أنغام الريح العاتية وصوت تلاطم الأمواج في الأسفل، بينما تلمع فوارغ الرصاص المتساقط كنجوم صغيرة حول أقدامهما. إنهما يرقصان فوق حطام عبثية العالم، في لحظة تجمّد فيها الزمن، معلنين انتصار الروح الإنسانية على القمع والكراهية.
​وعلى أنغام الريح وصوت الرصاص البعيد الذي بدأ ينهمر، تشابكت أيديهما بقوة. لم يكن ذلك هروباً من الواقع المرير، بل كان قفزة شجاعة نحو جوهر الوجود، حيث لا سلطة تقيد، ولا تهم تُلصق، ولا زنازين تخنق.. فقط إنسان وإنسانة، يحاولان بكل ما أوتيا من قوة أن يضيئا عتمة العالم بوميض خاطف من الصدق والحب، قبل الانطفاء الأبدي.
​لم يعثروا أبداً على جثثهما وسط الأمواج الهادرة، ولم يجدوا لهما أي أثر في أي مكان. يقول البعض بأسى إنهما غرقا في لجة البحر، ويقول البعض الآخر بأمل إنهما عبرا بطريقة سحرية إلى الضفة الأخرى. لكن الحقيقة الوحيدة التي بقيت راسخة هي أن "آدم" و"حواء" صارا أسطورة يتداولها الطلاب سراً في الممرات والمقاهي.. قصة تلهم الأجيال عن رجل منعوه من التدريس في الجامعة، فدرّس العالم أجمع، بدمه وحبه، كيف يكون الحب الحقيقي والتمسك بالحياة في زمن العبث المطلق.
بقلمي عبدالفتاح الطياري -تونس

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مجلة وجدانيات الأدبية (( إنِّي أتوه حين تبتسمينا )) بقلم الشاعر د. بحة الناي أحمد مصطفى الأطرش

إنِّي أتوه حين تبتسمينا ** *** إني أتوه حين تبتسمينا كأنّ الفجر قد أشرق بين عينيكِ، وترانيم الهوى في قلبي تزداد رنينا، ترتسم على جدار الزمن ...