*****************************
ومــضــات مــن وحــي الــحــيــاة
بقلم: صخر محمد حسين العزة
الحياة مدرسة كبيرة تتعلم فيها وتكتسب الخبرات حتى آخر يومٍ في عُمرك ، وفيها تتعرف على طبائع البشر من خلال تجاربك معهم ، تُفيد وتستفيد ، فقد تجد ما هو حُلوٌ وجميل ، وقد تجدُ ما هو مُرٌّ كالعلقم ، فالحياة مدرسة لم تستقم لأحد حتى تستقيم لنا ، ولم تدُم لمن سبقنا حتى تدوم لنا ، فالتجارب أساتذة الحياة ، ومن معين الحياة ننهل ما هو صالحٌ وما ينفعنا في دُنيانا ، ونجتنب ما يضرنا ، وهنا أوجزُ خلاصة تجاربي في الحياة بهذه الومضات:
1 – إيَّاكَ أنْ يغُرَّكَ المظهر الجميل والمنطق الحسن ، فلا تعرف ما هو مُخبّؤٌ في باطنهما ، فابحث دائماً عن الجوهر لتكشف خبايا النُفوس
2- الثقة المُطلقة كالضرير بدون عصا تدله على مساره ، فقد يسقط بدونها بحُفرةٍ أو يتعثر في الطريق ، فهي الحد الواقي التي تمنعه من السقوط ، فاجعل معك دائماً عصا الشك لتُدرك حقيقة من وضعت ثقتك به ، فإن الثقة العمياء دون وجود معايير عقلانية تُعرض الإنسان لخيبات أملٍ قاسية وتترك في النفس نُدوبٍ عميقة ، وجروحٍاً لا تندمل
3 – لا تغترُّ بمالك وجاهك وجمالك فكُلُّها لا تدوم وإلى زوال ، فالمال منقولٌ لغيرك بعد الرحيل ،والجاهُ يُدفنُ معك ، والجمال يذوب مع تقَدُّم السنين ، فلا يبقى معك إلا أعمالك تنتقلُ معك إلى عالم البرزخ ، فأحسِن عملك في دُنياك ليكون شفيعاً لك في آخرتك ، وتبقى ذكراك خالدة بحُسن عملك وما قدمتهُ للناس في حياتك
4 – علمتني تجارُب الحياة أن لا تثق إلا بنفسك ، واجعل قلبك صُندوقاً لأسرارك ، ولا تُبِح بما فيهِ لغيرك ، فقد تتلقى الطعنة والغدر من أقرب الناس إليك من أجل مصالحه ، فحُسن النية والطيبة لا مكان لهما في عالم المال والماديات ، وكما قال الشاعر محمود سامي البارودي :
أدهى المصائبِ غدرٌ قبلهُ ثقةٌ وأقبح الظُلمِ صدٌّ بعد إقبالِ
5 – عليك أن تعلم أن البشر في الحياة قسمان منهم كالشجر يُعطوك ثمراً طيباً ، ويظلونك كما تظلك الشجرة بأغصانها ، وآخرون كالصحراء مهما زرعت أو عملت أو قدمت معهم فلن تجد منهم إلا الجفاء فلا ثمرٍ مُثمر أو وفاء
6 – ما بين الصدق والكذب شعرةٌ فاصلة هي الأخلاق التي تحكُم تصرُفات البشر ويحكُمها الدين ، فالصدق هو الحقيقة الجلية ومنجاة الإنسان ، وأما الكذب مهما طالت حبائله فهو قصير ونهايتهُ الهلاك ، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الترمذي : ( دع ما يُريبُك إلى ما لا يُريبُك ، فإن الصدق طُمأنينة والكذب ريبة )
7 – من أحقر الناس وأوضعهم عالمُ دين إستغل علمهُ في خداع الناس والتدليس والكذب عليهم ، وتحريف كلام الله ، وكلام نبيه من أجل مصالح دنيوية ، وخدمة أولياء أمره ، وهذا قمة النفاق ، وكما قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : [ إيَّاكَ والنفاق ، فإن ذا الوجهين لا يكون وجيهاً عند الله ]
8 – صفتان مُتلازمتان عليك اتباعهما في حياتك : التجاهُل والتغاضي ، فبالتجاهل تأمن من يضمر لك الشر والأذى ، وتتجنب من يتربص بك ويلاحقك ليوقعك في شراكه ، فبتجاهله تسلم من الأذى ، أما التغاضي عن بعض هفوات من تُحبهم بتجاهل زلاَّتهم ، والترفُّع عن صغائر الأمور منهم ، لإدامة الود والمودة مع من تحب ، وعلينا أن نتبع قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه:
وأغمِضُ عينيَّ عن أمورٍ كثيرة وإني على ترك الغموض قديرُ
وما من عمى أُغضي ولكن لرُبما تغامى وأغضى المرءُ وهوبصيرُ
وأسكُتُ عن أشياءَ لو شِئتَ قُلتُها وليس علينا في المقالِ أميرُ
أصبِرُ نفسي باجتهادي وطاقتي وإنيّ بأخلاقِ الجميعِ خبيرُ
9 – رحلتك في هذه الحياة مهما طالت فهي قصيرة ، فلا تتركها عند الرحيل إلا وقد وضعت بصمتك عليها لكي تترك أثراً يتذكرك الناس به بحُسن أعمالك ، فما أجمل أن تكون غائباً حاضراً على أن تكون حاضراً غائباً ، فخلودك في قلوب الناس بعد الرحيل ببقى لك مكانة عظيمة بعد غيابك
10- بصمة إصبعك إيها الإنسان تكشفُ عن شخصك وعن هويتك ، وبصمة لسانك تدُلُّ على أخلاقك وطبيعتك ، فصُن لسانك فهو الحافظُ لك من الزلل ، فحلاوة الإنسان بحلاوة اللسان وهو الميزان والترجُمان لعقلك ، وكما قال الشاعر زهير بن أبي سلمى :
لسانُ الفتى نصفٌ ونصفٌ فؤادهِ فلم يبقَ إلا صورة اللحم والدمِ
وكائنٌ ترى من صامتٌ لك معجبٍ زيادته أو نقصهِ في التكلُّمِ
11- جمال البستان يعود لرعايتك وعنايتك باختيارك للتربة الخصبة واختيار السماد الطبيعي المناسب ، والأسرة المثالية كهذا البستان وعمادها عنصران التربة الخصبة الدين وسمادها الأخلاق والمُثُل القويمة فيكون حصاد زرعك طيباً
12- الأزهار والورود ألوان وأشكال مُتعددة منها الأبيض والأحمر والأصفر والأخضر وغير ذلك من ألوان ، ولكن يجب عليك أن تشتم رائحة عطرها لتميزها عن غيرها فعلينا أن نبحث عن الجوهر وليس المظهر ، وكذلك الحال في الإنسان فلا يغُرَّك لونه أو مظهره فعليك أن تبحث عن جوهره وميزة ذلك الدين والأخلاق وهما عطرا الإنسان القويم
13- الثقة والتواضع هما صفتا الإنسان القويم والذي يجعل التوكل على الله هو الميزان الذي يُسيّرُ به حياته ، ويرضى بما قدَّرهُ الله فمن تواضع رفعهُ الله ، فلا يتكبر إلا كل وضيع ، ولا يتواضع إلا كل رفيع ، فثِق بنفسك دون كبِرٍ أو تكبُر ، فلا تتكبر حتى لا تخسر
14- إياك أن تنخدع بالمظاهر والمناظر ولا تقيم الإنسان بمنظره وملبسه بل قيمه حسب عقله وتفكيره فقد يكون كالطبل الأجوف منظرٌ جميل وفارغ من الداخل لا قيمة له
15- أيُّها الإنسان إحرص على ثلاثةٍ يكُنْ فيهن نجاتك أو هلاكك ففيك عقلك وأًذنك ولسانك ، فبعقلك فكِّر وتدبر أمورك ، وأُذنك إجعلها فلتراً ومصفاةً فلا تنقل كل ما تسمع إلا بعد تقييمك له ، ولسانك إحرص من فلتاته ، فالكلمة كالرصاصة إن خرجت لن تعود فلسانك حصانك إن صنته صانك وإن خنته خانك ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه:
( إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ الله، لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا، يَرْفَعُهُ الله بِهَا دَرَجَاتٍ، وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ الله، لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا، يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ )
صخر محمد حسين العزة
عمان - الأردن
19/5/2026
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق