رائحة المكان الفارغ
لم تكن المشكلة في المقعد الخالي المقابل لي على طاولة العشاء، بل في "العادة" التي ترفض أن تموت. وجدتُ نفسي، وللمرة العاشرة هذا المساء، أرفع نظري عن كتابي لأشاركك جملة أعجبتني، لكنني لم أجد إلا صدى صوتي يرتد من الجدران الباردة. الغياب يا صديقي، ليس رحيلاً، بل هو حضور طاغٍ لشيء لم يعد موجوداً.
خرجتُ أتمشى في الزقاق القديم، تماماً كما اقترح النص الذي قرأتِه. الهواء هنا بارد، يلسع وجنتيّ كما يفعل مع بطلة قصتك، لكنه لا ينجح في إيقاظي من غيبوبة الانتظار.
نظرتُ إلى المارة:
رجل عجوز يبتسم لكلب صغير.
امرأة تسرع الخطى وهي تحمل باقة ورد ذابلة.
طفل يطارد ظله على الرصيف.
كلهم يحيون "بكثافة"، كما لو أن العالم لم يتوقف. شعرتُ حينها بتلك المرارة في جوف المعدة؛ ذلك الذنب الغريب لأنني ما زلتُ أتنفس، وأمشي، وأرى الجمال في الوجوه العابرة، بينما أنتَ عالق في "هناك" البعيدة جداً.
يقولون إن العقل يبتكر طرقاً للتسلية في الأوقات الصعبة، لكن عقلي لا يفعل شيئاً سوى إعادة تدوير ذكرياتنا. أصبحتُ "أقتنص" اللحظات كما ورد في النص، ليس لأتسلى بها، بل لأبحث عنك فيها. أرى مشيتك في غريب يمر من بعيد، وأسمع بحة صوتك في ضحكة عابرة خلف نافذة مغلقة.
الغياب هو سجن من نوع خاص، جدرانه ليست من حجر، بل من لحظات كان من المفترض أن نعيشها معاً، لكنها تكسرت على "جدار الوجود الخشن".
الأصعب ليس أن تكون وحيداً، بل أن تكون وحيداً وأنت تعلم أن هناك قلباً ينتظرك في مكان ما، ولا تملك إليه سبيلاً إلا الخيال.
بقلمي عبدالفتاح الطياري -تونس
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق