***************************
حِــواريــة الــصــحــة والــمــال
بقلم : صخر محمد حسين العزة
*****************************
*****************************
في طريق الحياة الطويل ما بين المهد وحتى اللحد يتجاذب الإنسان عنصران مهمان بعلاقة ترابطية وتبادلية تُرافقه طيلة محطات عُمره وتكون هذه العلاقة ما بين صُعودٍ ونزول وهذين العُنصرين هما الصحة والمال فإما أن يرفعاه إلى القمة وإما ينزلان به إلى الحضيض ، وكل ذلك مرتبط به وبنظام حياته إذا عمل توازن بينهما ، إلا ما قدره الله عزَّ وجلْ ، ، فالإنسان منذ ولادته يُركز والداه على رعايته لكي يعيش بصحة جيدة وينفقون جُلَّ أموالهم لتوفير حياة كريمة له ، إلى أن يُصبح شاباً يافعاً ويبدأ في طرق جميع السُبُل من أجل تحصيل المال ، ويجاهد لتوفير حياة كريمة له ولأبنائه من بعده ، قال تعالى في سورة البلد – الآية :4 : {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ} ففه هذه الآية الكريمة توضيح لطبيعة حياة الأنسان من حيث أنها مليئة بالتعب والمشقة والمكابدة ، فالإنسان يُكابد أمور الدُنيا مُنذُ ولادته وحتى مماته ، ولن يُرزقهُ الله إلا ما كتبه له ، وقد يصل الإنسان إلى قمة الثراء والغنى ، و ينعم بالسعادة والرفاه ، ولكن السؤال الذي يطرحُ نفسه هو ما قيمة المال بدون أن يكون مُعافى سليماً وبصحة جيدة ؟!!! ، فالعلاقة بين الصحة والمال عُلاقةٍ تبادُلية وثيقة ، فالصحة الجيدة تمنحك العافية والقُدرة على العمل والإنتاج ، وتُجنبك تكاليف العلاج والتنقُل بين الأطباء والمستشفيات ، ، بينما المال يوفر لك سُبُل العيش ، ولكن تبقى الأولوية المطُلقة للصحة فغيابها يجعل الإستمتاع بالمال والثروة أمراٍ مُستحيلاً ، فعلى الإنسان أن لا يجعل همه الأكبر تحصيل المال على حساب صحته ، فإن أعظم ثروة للإنسان هي الصحة فلن يعوض الصحة أي مبلغٍ من المال ، قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : [ الصحة أفضل النِعم ] ، فالمشاكل المالية تزيد من مستوى التوتر والقلق وتؤدي إلى تدهور صحة الإنسان ، فكسب المال ضروري في الحياة لتلبية الإحتياجات الأساسية في الحياة ولكن السعي المستمر وراءه على حساب الصحة البدنية والنفسية يؤدي إلى إستنزاف طاقة الإنسان ويواجه بالأمراض ، فالمال مصدر بهجةٍ وسرور للإنسان ، ولكن الصحة أصله ، والمال يمكن كسبه بأي وقت وبأي صورة ، لكن الصحة هي مصدره ، فعندما تتمتع بالصحة والعافية تبقى قادراً على جني المال وبالتوكل على الله تبقى قادراً على تعويض واسترداد ما خسرت ، فأنت الأصل في تحقيق كل ذلك عندما تُعطي أهميةً لذاتك التي هي مصدر كل شئ ، وتمدُّ حياتك بالبهجة والسعادة ، وكم من الأثرياء يتمنون أن يخسروا كل ثرواتهم مقابل أن تعود لهم صحتهم وعافيتهم
في هذه المقدمة التي تتناول الإنسان ومراحل عمره يقف الإنسان حائراً وهو يستمع إلى الحوار الدائر بين الصحة والمال وهو محور حديثهما :
[ تقف الصحة بكامل عافيتها متوردة الوجه من العافية ، وبالطرف الآخر يقف المال مُتجهماً مُتكبراً ويدور بينهما هذا الحوار عن مصدر قوة الإنسان ، هل هو المال أم الصحة ؟ ]
المال : مرحباً أيتها الصحة : ما بالُك مُتقلبة ما بين شدٍّ وجذب لرفيقنا الإنسان ؟!! مرَّةً تمنحيه العافية ويكون بكامل قوته وعافيته ، ومرَّةً مريضاً غيرُ مُعافى
الصحة : عافية الإنسان مُرتبطة بتصرفاته ونظام طعامه ، فهما اللذان يُبقيانه مُعافىً سليماً لأمنحه عافيتي ، إذا اتبع نظاماً غذائياً سليماً فالوقاية خير من العلاج ، ويوفر إنفاق المال على الأدوية
المال : أنا من أجعله مُعافىً عندما تسلبين منه عافيته ، فمني يستطيع أن يذهب للعلاج ، ويذهب إلى الطبيب ليستعيد عافيته ، وأنا من أوفر له سُبُل الراحة والطعام الفاخر والسيارات الفارهة والمنزل الجميل لكي ينعم بالسعادة والراحة
الصحة : لكن يا مال ما قيمة كل ما ذكرت من متاع الدنيا إذا كان صاحبها مريضاً طريح الفراش ، ولا يمكن لأيُّ مبلغ مادي أن يُعيد له صحته وعافيته ، وكل ذلك بأمر الله ، فأنا من يمنحهُ القُدرة على الحركة والقيام صباحاً والسعي لكسب رزقه من مالٍ وغير ذلك ، فأنا أساس السعادة وراحة البال ، فليس بالمال وحده يحيى الإنسان ، فكم من الأثرياء ينشدون عودتي ويتخلون عنك مقابل عودة صحتهم وعافيتهم لهم ، فأنا تاجٌ على رؤوس الأصحاء ، وكما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عن سلمة بن عبيدالله بن مُحصن الأنصاري : ( من أصبح منكم معافى في جسده آمناً في سربه عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها ) ، وقد قال عنك الشاعر :
ثــلاثــة يـجهل مـقـدارهـا الأمن والصحةُ والقوت
فلا تثق بالمال من غيرها لــو أنــه دُرٌّ ويـاقــوت
المال : لا تنسي يا رفيقتي أنَّ الله ذكرني وإني زينة الحياة الدنيا إذ قال تعالى في سورة الكهف - الاية 46 : { الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ، وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا}
الصحة : لا يمكن للإنسان أن يكون سليماً مُعافىً بالمال ، ولا يمكن الحصول عليه إلا عندما يكون بكامل صحته ، فأنت أيها المال زائل ، وبعد موت الإنسان تذهب لورثته ، وأما أنا فأذوي وأنتهي بانتهاء أجله ، فكلانا زائل بأمر الله تعالى
المال : أتفق معك تماماً في أنه لا يمكن شراء عافية الجسد والروح بالمال وحده ، واذكرك بحكمة تقول : [الإنسان يُضحي بصحته من أجل كسب المال ، ثم يُضحي بالمال لسيتعيد صحته]، ودوري أنا هنا بتوفير بيئة مستقرة للإنسان ، وتوفير الأمان المالي الذي يُزيل التوتر والقلق لينعكس إيجابياً على الصحة البدنية والنفسية
الصحة : إذاً نحنُ في النهاية مُتفقان بأن الصحة ثروة ، والمال أداةٌ هامة لتأمين المُستقبل وحياة مُستقرة ، فعلينا أن نعمل معاً بتوازن فيما بيننا فلا يجب على الإنسان إهمال الصحة في سبيل جمع المال ، ولا يُمكن الإستغناء عن المال من أجل الرعاية الصحية وأمان المُستقبل
ورسالتنا نحن الصحة والمال للإنسان : عليك يا إنسان أن تضع ميزاناً تحكم فيها حياتك وأن يكون لك نظام تحافظ فيه على صحتك ومالك فلا بخل وتقتير على النفس وفي نفس الوقت لا تبذير ولا إسراف ، ومبالغة في الصرف ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الإمام أحمد: (ما ملأ آدمي وعاء شرَّاً من بطنه ، حسب ابن آدم أكلات يقمن صُلبه ، فإن كان فاعلاً لا محالة ، فثلث طعام ، وثلث شراب ، وثلث لنفسه) وقال أيضاً عن الإسراف : ( إن من السرف أن تأكل كل ما اشتهيت ) ، ولهذا فإن الإسراف والتبذير هما سيفان مسلطان على رقبة الإنسان يستهدفان صحته وماله ، ويؤديان إلى إستنزاف الموارد المالية ، والدخول في دوامة الديون مما يؤدي إلى الإضرار بالصحة العامة ، وكذلك الحال بالنسبة للبخل والتقتير لهما الأثر السلبي على الإستقرار المالي وعلى صحة الإنسان ، فالإعتدال في كل شئ يرتبط إرتباطاً وثيقاً بالحفاظ على الصحة وحماية ثروة الإنسان من الهدر، قال تعالى في سورة الإسراء – الآية 29 : { وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً }
وفي الختام نقول لا نفع للمال بدون صحة البدن والعافية وراحة البال ، فالصحة هي الرأسمال الحقيقي والأساس المتين الذي لا يمكن الاستمتاع بأي ثروة بدونه، فكل أموال العالم لا تكفي لشراء لحظة عافية واحدة أو راحة بال ، وصدق الشاعر بشار بن بُرد إذ قال :
إِنّي وَإِن كانَ جَمعُ المالِ يُـعـجِبُني ما يَعدُلُ المالُ عِندي صَحَّةَ الـجَسَدِ
الـمـالُ زَيـنٌ وَفي الأَولادِ مَـكرُمَـةٌ والسُقـمُ يُـنسيكَ ذِكـرَ الـمالِ وَالـوَلَدِ
صخر محمد حسين العزة
عمان – الأردن
17/6/2026
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق