أقوام العرب
.........................
يا من رَايتَ هَوَانَ اقوَامِ العَرَبْ
ما اخطَات عَينٌ و لَا وَصفٌ كَذَبْ
بِتنَا كَقِطعَانِ الجِمَالِ يَسُوقُهَا
رَاعٍ و يَجلُدُ ظَهرَهَا سَوطُ الذَّنَبْ
فَوقَ المُرُوجِ الخُضرِ انهَارٌ جَرَت
و الخَيرُ في قِيعَانِهَا لَا يُحتَجَبْ
لَكِنَّ قِطعَانَ النِّيَاقِ على الظَمَى
جُوعَى و رَاعِيَهَا يَرُومُ لَهَا النَّصَبْ
يُسقِي لَهَا مَاءَ السَّبِيلِ تَكَرُّمَاً
دُونَ الرِّوَاءِ مَخَافَةً تُبدِي الشَّغَبْ
و طَعَامُهَا يَكفِي لِسَدِّ رَمَاقِهَا
عُشبٌ يَبِيسٌ مِثل عِيدَانِ الحَطَبْ
اضَحَت لِانوَاعِ السَّقَامِ فَرِيسَةً
و قُرُوحُ جِلدٍ تَستَجِيرُ مَنَ الجَرَبْ
رَاعٍ تَجَبَّرَ و الجِمَالُ مُطِيعَةٌ
مَغمُومَةٌ لَكَانَّهَا تَهوَى الكَرَبْ
خَنَعَت لِإمرَةِ مُستَكِينٍ خَانِعٍ
خَوَّانِ يَقضِي لِلعِدَا مِنَهَا الارَبْ
تَابَى الرُّجُولَةُ أن يُسَمَّى باسمِهَا
يَبكِي المَذَلَّةَ إن نَمَى شَعَرُ الشَّنَبْ
تَدرِي النِّيَاقُ بِكَذبِهِ و نِفَاقِهِ
كَذَّابُ يَصدُقُ قَولُهُ مَهمَا كَذَبْ
تُضفِي جَلَالَاً لِلمَهِينِ و قَد رَات
قَمِئَاً قَبِيحَاً ظَهرُهُ يَشكُو الحَدَبْ
مُتَلَعثِمَاً مُتَتَاتِئَاً في نُطقُهِ
مَخبُولُ يَجهَلُ مَا يَضُمُّ و مَا نَصَبْ
فَيَقُولُ عِملَاقَاً فَصِيحَاً آسِرَاً
و يُكِيلُهُ مَدحَاً كَذُوبٌ إن كَتَب
و الصَّادِقُونَ كُوَاذِبٌ إن يَرسِمُوا
حَرفَاً صَدُوقَاً بَاحَ في مَتنِ الخُطَبِ
تَنسَى الجِمَالُ بِانَّ ارضَاً ارضَهَا
و الخَيرُ خَصَّ سِنَامَهَا دُونَ القَتَبْ
و الحَقُّ تُبصُرُهُ العِيُونُ و قَد غَدَا
كَالصُّبحِ مُنبَلِجٌ كَغَيثٍ إن سَكَب
لَكِنَّهَا تَبِعَت وُلَاةَ عَمَالَةٍ
رُغمَ الرَّغَادَةِ نَالَهَا مِنهَا الجَدَب
لَا حَقَّ إلَّا مَا يَرَاهُ سَيِّدٌ
و العَبدُ يُضرَبُ لو تَنَاسَى لِلادَب
كُلُّ المَوَارِدِ و البِلَادِ و مَا حَوَت
مِلكٌ لِرَاعٍ و القَطِيعُ و مَا اكتَسَب
النَّفطُ و الثَّرَوَاتُ مِلكٌ خَالِصٌ
و الدُّرُّ و الالمَاسُ أو تِبرُ الذَّهَب
امَّا المُرُوجُ الخضرِ سَلَّمَهَا خَنَىً
رَاعٍ لِذِئبٍ مُستَجِيبَاً لِلطَلَب
و الذِّئبُ يَعوِي و الكِلَابُ نُوَابِحٌ
رَامُوا لَحُومَاً يِقضِمُونَ بِلَا تَعَب
و الرَّاعِيُ المَرعُوبُ لَبَّى صَاغِرَاً
سَاقَ النِّيَاقَ مُكَبَّلَاتٍ مَا انتَحَب
كَرَّ الذِّئَابُ على النِّيَاقَ و مَزقُّوا
لَحمَاً و كَلبٌ عَاثَ فِيهَا و اغتَصَب
و رُوِيعُهَا المَبلُودُ يَشهَدُ مَا جَرَى
اعلَا الغِنَاءَ و هَزَّ خِصرَاً و انطَرَب
ذُعِرَ الخِرَافُ فَاذعَنُوا و تَخَاذَلُوا
قَبِلُوا الهَوَانَ و قَد جَثَوا تَحتَ الرُّكَب
نَشَدَوا السَّلَامَ مِنَ الذِّئَابِ حَمَاقَةً
طَلَبَوا الامَانَ و اسلَمُوا أرضَ العَرَب
صَاغُوا وَثِيقَةَ ذُلِّنَا و هَوَانِنَا
فَغَدَت خَنَازِيرٌ تُقَهقِهُ في صَخَب
امضُوا وَثِيقَةَ بِيعِنَا و دِيَارِنَا
بَاعُوا العَقِيدَةَ و الكَرَامَةَ و النَّسَب
اَمِلَ الخِرَافُ من الذِّئَابِ سَلَامَهَا
هَل سَالَمَ الذِّئبُ الخِرُوفَ إذَا غَلَب؟
فَاذَا الذِّئَابُ على الخِرَافِ تَسَلَّطَت
اضحَت كِريَمَاتُ الخِرَافِ كَمَا اللُعَب
اوطَانُ عُربٍ لِلعُلُوجِ سَلِيبَةٌ
و رُعَاتُهَا بَاتُوا عَبِيدَ لِمَن سَلَب
رَاعٍ و آخَرُ فَرَّطُوا و استَسلَمُوا
فَغَدَوا اذَلَّ من الحِذَاءِ و لا عَجَب
لَكِنَّ قِطعَانَ الجِمَالِ تَجَرَّات
فَتَدَافَعَت و قَدِ استشَاطَ بِهَا الغَضَب
فاتَت جِمَالُ العُربِ تَقتُلُ بُعضَهَا
فَتَسِيلُ انَهَارُ الدِّمَاءِ من العَرَب
و بِلَا هَوادَةِ تَستَبِيحُ لِاخوَةٍ
صَارَ الشَّقِيقُ هُوَ العَدُّو المُرتَقَب
سفَكَ الجِمَالُ دَمَّ الجِمَالِ لِقِيصَرٍ
أو لِابنِ اخطَبَ أو لِكِسرَى المُنتَدَب
تَرَكُوا فِلِسطِينَ الاسِيرَةَ و انتَسَوا
قُدسَاً و غَزَّةَ دُونَ إبدَاءِ السَّبَب
مَا انجَدَت نُوقُ العُرُوبَةِ غَزَّةً
فالبَعضُ مِنهَا قَالَ قَولَاً و احتَسَب
و البَعضُ هَبَّت قَاتَلَت بِضَرَاوَةٍ
نَصَرَت يَهُودَاً ضِدَّ اقحَاحِ العَرَب
لَكِنَّ غَزَّةَ مَا استَكَانَ رِجَالُهَا
فالضِّيغَمُ الكَرَّارُ يُرعِبِ إن وَثَبْ
هِيَ غَزَّةٌ اضحَت تُقَاوِمُ وَحدَّهَا
كِسرَى و قَيصَرَ و ابن اخطَبَ و النَّكَب
ارضُ الرِّبَاطِ فَدَت ثَرَاهَا فِتيَةٌ
غَشَتِ الوَغَى و تَسَعَّرَت وُسطِ ٱللَهَبْ
لَمَّا اعدُّوا ما استَطَاعُوا جَاهَدُوا
مُتَوَكِّلِينَ دَعَوا عَظِيمَاً فَاستَجَب
اروَوا لِطُهرِ تَرَابِهِم بِدِمَائِهِم
بَاعُوا النُّفُوسَ لَمَن لَنَفسٍ قَد وَهَب
صَمَدُوا بَارضٍ كالجِبَالِ على العَنَى
و بِعَزمِهِم صَرَعُوا لِآلَامِ الوَصَب
سَحَقُوا إبنَ اخطَبَ نَكَّلُوا بِكِلَابِهِ
ذَابَت فَرَائِصُ كُلِّ كَلبٍ و ارتَعَب
فَتَقَهقَرَوا و إذَا الذِّئَابُ و قَد غَدَت
مِثَل النِّعَاجِ تَبَلَّلَت مِنهَا الرُّكَب
جُندُ ابنِ اخطَبَ حَينَ قَسَّامٌ رَمَى
اضحَوا خَرَانِقَ ضَرَّطَت وَقَتَ الهرَب
و رِجَالُ قَسَّامٍ و رِفقَةُ دَربِهِم
اردُوا ابنَ اخطَبَ والنِّعَاجَ ومَا جَلَب
مَن ارعَبُوا قَرنَاً لِحُكَّامِ العَرَب
ذَاقُوا بِغَزَّةَ كُلَّ انوَاعِ العَطَب
و النَّصرُ حَتمَاً نَحوَ غَزَّةَ قَادِمٌ
وَعدٌ يُفَرِّحُ صَابِرَاً بَعدَ الكَرَب
في أرضِ عُربٍ من يَرُومُ كَرَامَةً
شَدَّ الرِّحَالَ لِغَزَّةً ثُمَّ انتَسَب
د. سعيد العزعزي
9/12/2023