*************************************************************************
بين المبدأ والواقعية: حين تمشي السياسة على حافة الضمير
في دهاليز السياسة، لا تسير القرارات دائمًا على ضوءٍ واضح، بل كثيرًا ما تتلمّس طريقها في عتمة المصالح، حيث تختلط الأصوات، وتتداخل النوايا، ويُختبر الإنسان قبل الدولة. هناك، حيث تُصاغ المصائر، يُطرح السؤال القديم بصوتٍ جديد: هل الأخلاق زينة الخطاب، أم عمودُ البقاء؟
يقال إن السياسة فنّ الممكن، لكن الممكن بلا قيم قد يتحوّل إلى عبءٍ ثقيل، يربح معركةً ويخسر إنسانًا، يحقّق مصلحةً ويهدم ثقة. فالدولة التي تساوم على مبادئها قد تنجو اليوم، لكنها تزرع في غدها شقوقًا لا تُرى إلا حين تتسع.
بين المصلحة والقيمة، يقف القرار كمن يقف على حدّ السيف؛ إن مال كثيرًا إلى المصلحة فقدَ روحه، وإن تشبّث بالمبدأ دون حكمة، خسر واقعه. لذلك، ليست الأخلاق في السياسة نقيضًا للواقعية، بل ميزانها الدقيق؛ تُهذّبها حين تنفلت، وتُثبّتها حين ترتجف.
أما أزمة الثقة، فهي المرآة التي تعكس كل هذا الاضطراب. حين يقول السياسي شيئًا ويفعل نقيضه، لا يخسر موقفًا عابرًا، بل يهدم جسرًا بينه وبين شعبه. وحين يسقط هذا الجسر، لا تعبر عليه الوعود مهما كانت براقة.
وفي زمن الرقمنة، لم تعد الحقيقة حكرًا على من يملك المنبر، بل صارت تتشكّل في عيون الناس، وتنتشر بسرعة الضوء. لم تعد السلطة وحدها تصنع الرواية، بل يشاركها فيها الجميع، في فضاءٍ مفتوح لا يعترف بالحدود. وهنا، تصبح الأخلاق ضرورة لا خيارًا، لأن الكذب لم يعد طويل العمر كما كان.
والتاريخ، ذلك الشاهد الصامت، يهمس في آذاننا: إن الدول التي حفظت شيئًا من قيمها، حفظها الزمن، والتي باعت كل شيء، لم تجد من يشتريها حين سقطت. فالأخلاق ليست مثالية حالمة، بل ذاكرة الشعوب حين تُحاسب، وسندها حين تضعف.
يبقى السؤال معلقًا في ضمير كل من يملك قرارًا: هل نربح العالم ونخسر أنفسنا؟ أم نبحث عن طريقٍ ثالث، لا يُفرّط في الحق، ولا يعجز عن الفعل؟
ربما ليست الإجابة سهلة، لكن المؤكد أن السياسة التي لا يرافقها ضمير، قد تُشيّد دولًا من حجر… لكنها تعجز عن بناء إنسان.
بقلم: فادي عايد حروب — فلسطين© جميع الحقوق محفوظة
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق