السبت، مايو 09، 2026

مجلة وجدانيات الأدبية (( أرِضــا الــسُــلــطــان أم غــضــب الــرحــمــن ؟!! )) بقلم الكاتب صخر محمد حسين العزة



*****************************************************
أرِضــا الــسُــلــطــان أم غــضــب الــرحــمــن ؟!!
بقلم: صخر محمد حسين العزة
عندما خلق الله عزَّ وجلْ الكون بكل مكوناته من أراضٍ وسماوات وما فيها من بحارٍ ونجوم ، وكائنات حية متنوعة أشكالها ، وكانت الأرض جزءاً من هذه المنظومة الكونية الكبيرة ، وكان لا بُدَّ لهذه الأرض من يُدير شؤونها ، فخلق الله آدم عليه السلام أبو البشر ، وميَّزَهُ عن باقي مخلوقاته بأن جعل له لساناً ناطقاً ، وعقلاً مُفكراً ، وقد عرض الله الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وحملها الإنسان إنه كان ظلوماً جهولاً ، والأمانة هي الفرائض التي فرضها الله على عباده لتطبيقها وإدارة شؤون الأرض بما يُرضي الله جلَّ قدرُه ، قال تعال في سورة الأحزاب – الآية77 : {إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولا}
هنا في هذه الآية الكريمة توضح إن الإنسان حمل الأمانة التي عرضها الله على السماوت والأرض مع ثِقَلِ حملها ، وقبِلها مع جهله لعِظم المسؤولية ، وما عليه من واجباتٍ شرعية وتنفيذ الأوامر الإلهية واجتناب نواهيه وهذه الأوامر تحمل الجزاء والثواب عند القيام بها ، والعقاب عند تركها ، ولكن الله من أجل مساعدة الإنسان في حمل هذه الأمانة أنزل الشرائع والكتب السماوية وبعث الأنبياء والرُسُل للأمم ولكل أمةٍ رسولٍ أو نبيٍّ منها ، لكي يوجهونهم إلى العبادة وطُرُق الصلاح ، ولبيان طريق ما هو أنفعُ لهم ، وتمييز الخير من الشر ، قال تعالى في سورة البلد – الآية 1 : {وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ}أي أن الله بين للإنسان سبيلين هما طريق الخير وطريق الشر ، وميَّزهُ بالعقل ليُمحِّص الحق من الباطل ، ويختار ما يشاء ، وفي نفس السياق أيضاً قال تعالى في سورة الإنسان – الآية3 : {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا} وعليه أن يختار أيُّ الطريقين يسلك وأيُّ الأمرين يأخذ ، فإما إلى جنَّةٍ عرضها السموات والأرض أُعدت للمتقين ، وإما إلى قعر جهنم أُعدت لكل من خالف أوامر الله وحاد عن الصراط المستقيم .
بهذه الآيات الكريمة الوارد ذكرها من حمل الأمانة ، وبيان طريق الخير والشر سار الأنبياء والرُسُل في نشر رسالاتهم وهداية الناس ، وكانت مهمتهم محفوفة بالمخاطر والصِعاب من أجل تبليغ رسالتهم ونشر كلمة الله عزَّ وجلْ فمنهم من تعرض للتعذيب ومنهم من هُجِّر عن أرضه ، ومنهم من قُتِل ولم يحيدوا عن الصواب ، وخُتمت الرسالات بالإسلام وليكون سيدنا محمد صلى الله عليه وسلَّم خاتم الأنبياء والرُسُل ، وليكون القرآن الكريم ناسخاً لما قبله من شرائع وديانات سماوية ، وبهذا أرسى سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام قواعد الدولة الإسلامية في مكة بعد فتحها لينطلق في نشر رسالة الإسلام السامية ، وليُكمل بعد وفاته الصحابة الكرام في تبليغ الرسالة لكُلِّ أصقاع العالم فكانوا خيرُ خلفٍ لخير سلف ودانت لهم أمم بسماحتهم وعدلهم ونشروا الحضارة التي لا تزال شاهدة عليهم حتى تاريخنا الحاضر ويعترف فيها الغريب قبل القريب ، وقد كان الصحابة ومن تبعهم من التابعين من علماء الإسلام بحق هم ورثة الأنبياء كما قال رسول الله عنهم –عن الترمذي وتصحيح الألباني ( العُلماء ورثة الأنبياء) والمقصود بالعلماء هنا علماء الدين ، وميراثهم من الأنبياء ليس مالاً بل بما دعا له الأنبياء من علمٍ نافع ومن تعاليم ترفع شأن الأُمة ، ونشر الوعي بين الناس وتعزيز القيم الأخلاقية وتقديم النُصح والإرشاد ، وقيادة المُجتمعات لما فيه مصلحتها ومواجهة الإنحرافات الفكرية والأخلاقية ، ومن المهام المنوطة بهم هي توجيه الحاكم وإرشاده إلى بناء علاقة صحية بينه وبين شعبه دون محاباةٍ أو مجاملة على حساب الدين والأُمة مما يؤدي إلى ترسيخ التماسك الإجتماعي ويؤدي إلى استقراره وبناء مجتمعٍ قوي يقف في وجه الطامعين فيه وفي ثرواته ، ولكن مقابل هذه الصورة المشرقة كانت توجد صفحة سوداء كان وراءها من دخل في الإسلام نفاقاً وكانوا عناصر هدم للأمة الإسلامية ، وكان أهمها فتنة عبدالله بن سبأ اليهودي الذي دخل الإسلام نفاقاً ، وقام هذا بدعوته الآثمة التي بناها على فكرة التشيُع لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه بل زاد عن ذلك إذ دعا إلى أُلوهية علي ، وكان يدُسُّ على الُسُنّة ، وأخذ الناس يختلقون الأحاديث ، ويروون ما وافق هواهم سواء ثبُت أو لم يثبُت ، واشتدت هذه الفتنة في آخر خلافة عثمان بن عفان ، وذلك مع انتشار أصحاب الأهواء بين المسلمين ، وكثرة الفتن التي قد تحمل على الكذب ، حتى أصبح الناس لا يقبلون حديثاً بدون إسناد حتى يعرف رواته ويعرف حالهم ، ولهذا انتشر التشيع بسبب عبدالله بن سبأ وأتباعه ، ولا تزال الأمة حتى وقتنا الحاضر تعيش ويلات وصراع وجدلٍ بيزنطي من جراء انقسام الأمة إلى شيعة وسُنَّة وسالت بحور من الدماء بسبب ذلك وكل هذا الأمر بسبب هذا المنافق اليهودي عبدالله بن سبأ ومن تبعه الذي فرَّق الأمة ووضعها في آتون فتنة لا يُعرف لها نهاية .
إن ما دفعني لكتابة مقالي هو ما آلت إليه أمتنا في وقتنا الحاضر من هوانٍ وذُل ، وما تعيشه من أزمات متلاحقة ، ونرى أن شريحة كبيرة من أبناء الأمة قد شطوا عن الصواب ممن يجب أن يكون لهم الدور الأكبر في صلاح الأمة ونهضتها وهؤلاء يمثلون طبقات متنوعة فمنهم السياسيون والإعلاميون والصحفيون وأدباء ورجال دين ، وأصبح هؤلاء تابعين تحكمهم مصالحهم الدنيوية وتخلوا عن قضاياهم وتناسوا وحدة مصير الأمة ، وأنها يجب أن تكون جسداً واحداً بعد أن فرقهم الإستعمار بسياسة فرِّق تسُد ، وبقيت على هذا الحال في تناحرٍ واقتتال ، وما يهمنا من هذه الشريحة هم علماء الدين وشيوخها الذين هم كما ذكرنا سابقاً ورثة الأنبياء ولهم التأثير الأكبر على الناس من جميع أطيافهم ، فهم صمام الأمان لبناء المجتمع وتوجيه الناس إلى الطريق القويم ، وما يجب عليهم من تقديم النُصح والإرشاد لأولي الأمر منهم في بلدانهم ، ولكنهم حادوا عن هذا الطريق وعن النهج المرسوم لهم خوفاً على مصالحهم ، وخوفاً من ولاة أمرهم ، بل منهم من تجاوز ذلك بتفسير بعض النصوص الشرعية بما يتوافق مع رضا الحاكم وإصدار فتاوى تُرضيه ، ويتناسون أنهم مسؤولون أمام الله ، وأنهم بما يعملونه سينالون غضب الله وسخطه ، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم – عن أنس : [العلماء أمناء الرسل على عباد الله تعالى ، ما لم يخالطوا السلاطين فإذا فعلوا ذلك ، فقد خانوا الرسل فاحذروهم واعتزلوهم] وهم بذلك يخونون الأمانة ، وأنهم ورثة الأنبياء وينشدون رضا سلاطينهم ويحرفون النصوص الشرعية عن مواضعها ، وقد قال تعالى في سورة آل عمران – الآية 187 : {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاء ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ}نُذكِّر هؤلاء المنافقين من شيوخ السلاطين بعلماء الأُمة الذين واجهوا المحن من أجل إعلاء كلمة الحق ، ورفعة الدين ، ولم يكونوا يخافون من بطش حُكامهم حتى أن بعضهم دفع حياته ثمناً لذلك – امثال أحمد بن تيمية ، وأحمد بن حنبل وسعيد بن جبير ، فهؤلاء كان إيمانهم الحق ، وبالرسالة التي يحملونها هي الدافع لمواجهة البطش والظلم وما يهمهم في ذلك إلا رضا الله عزَّ وجلْ ، وهؤلاء هم ما ينطبق عليهم قول الله تعال في سورة فاطر – الآية 28 : {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ}ففي هذه الآية تُشير إلى هؤلاء العلماء الذين يُدركون عظمة الله وعقابه لمن عصاه والنعيم لمن أطاعه ، وكلما كان الإنسان أعلم بالله وقدرته وعظمته كان خوفه أشدُّ وأكمل ، والعلم بالله هو الذي يولد الخشية الحقيقية ويحول بين الإنسان والمعاصي ، فهؤلاء العلماء هم قدوة الرُسُل والأنبياء بالخشية والأعمال الصالحة .
نقول لهؤلاء من علماء النفاق أن لا طاعة لمخلوق بمعصية الخالق ومنهم من يُفسِّر قول الله عزَّ وجلْ في سورة النساء – الآية 59 : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً } وهم يُفسرون هذه الآية بما يتناسب مع أهوائهم ، ويتناسون أن طاعة ولي الأمر واجبةً في حدود شرع الله وما فيه مصلحة الأمة ، وطاعة ولي الأمر مقيدة وليست مطلقة ، وفي الآية الكريمة كرر الطاعة لله والرسول وجعلها لوي الأمر بالتبعية ، وتتعلق بما يحكم به الشرع وبتنظيم أمور عامة الناس بما يُرضي الله ، وردَّ أي نزاع أوخلاف للمرجعية الأولى كتاب الله وسنة رسوله ، وقد كان العلماء في تاريخ حضارتنا الإسلامية هم المرجعية العُليا للأمة والحاكم على حدٍّ سواء مستندين على حديث رسول الله (العلماء ورثة الأنبياء) ، وقد كان الحُكام يعتمدون على العلماء في إضفاء الشرعية على حكمهم ، وكانوا يفتون فيما يحدث من نوازلٍ أو أحداث ، ويُقومون إعوجاج السلطان ، وكانوا يُحاسبون الحاكم دون خوف ، كما كان ذلك مع الإمام أحمد إبن حنبل وسفيان الثوري ، وأحمد إبن تيمية ، والعز بن عبدالسلام وغيرهم من العلماء العظماء الذين لا يخافون في الله لومة لائم ، ونستعرض بعضاً من مواقف هؤلاء العلماء الربانيين :
أولاً :الشيخ العز بن عبدالسلام سلطان العلماء: إشتهر العز بن عبدالسلام بمواقفه الجريئة مع الحكام وصدعه بالحق ، ومن المواقف المشهودة له عندما أنكر على السلطان الصالح إسماعيل إعطاء الصليبيين مدينة صيدا وقطع الدُعاء له في الخطبة مما أدى إلى إعتقاله ونفيه إلى مصر ، وقد سُمي ببائع الملوك والأمراء لأنه أفتى ببطلان ولاية أُمراء المماليك في مصر ووجب بيعهم في المزاد العلني كأرقاء لبيت المال ثم عتقهم ، لأنهم كانوا عبيداً ، ويجب أن يُحرروا لإقرار شرعية تصرفاتهم وولاياتهم ، ورفض التنازل عن الحُكم الشرعي رُغم التهديد من السلطان الصالح أيوب ، وعزل نفسه عن القضاء قائلاً : ( لا يرضى أن يكون صورة مُفتي ) ولكن في النهاية أذعنوا لفتواه فتم بيعهم ثُمَّ عتقهم ، وله مع الصالح أيوب واقعةٌ أخرى عندما خرج يتجول في شوارع القاهرة وكان للسلطان هيبة ، وكان الأمراء عندهم عادة سيئة إذ يُقبلون الأرض بين يديه ولا أحد يجرؤ أن يكلمه ، وقد كانت الخمور منتشرة في مصر ، وهنا وقف العز بن عبد السلام وقال له مُخاطباً بإسمه المجرد(يا أيوب) : ما حُجَّتكَ عند الله عزَّ وجلْ غداً إن قال لك : ألم أبوئ لك مُلك مصر فأبحت الخُمور؟ فقال : أو يحدُث هذا في مصر؟ قال: نعم في مكان كذا وكذا حانة يباع فيها الخمر وغيرها من المنكرات وأنت تتقلّب في نعمة هذه المملكة؟ فقال: يا سيدي أنا ما فعلت هذا إنما هو من عهد أبي ، فَهَزَّ العز بن عبد السلام رأسه وقال: إذن أنت من الذين يقولون: (إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ) فقال: لا أعوذ بالله وأصدر أمرًا بإبطالها فورًا ومنع بيع الخمور في مصر.
وكان للعز بن عبدالسلام الفضل في تولي سيف الدين قطز الحُكم ، وقاد جهود التعبئة الروحية من أجل الإعداد لمعركة عين جالوت التي وقعت بتاريخ 26 رمضان عام 658هجرية الموافق الثالث من كانون أول عام 1260 ميلادية ، ومُني فيها التتار بالهزيمة الكبرى وانتهى وجودهم في بلاد الشام ، وكان له الأثر الكبير في الإنتصار لإتباع قطز الضوابط الشرعية التي وضعها الشيخ العز بن عبدالسلام في تمويل الجيش حيث رفض الشيخ عز الدين فرض أي ضرائب على الشعب قبل إستنفاذ خزائن الأُمراء ، فالتف الشعب حول قيادة قطز وكان النصر التاريخي وطرد المغول نهائياً من بلاد الشام
ثانياً : الشيخ أحمد بن حنبل : واجه بن حنبل محنة عصيبة تعرض فيها للسجن والتعذيب وهي محنة خلق القرآن التي إبتدعها المُعتزلة وهي فتنة وقعت في عهد الخلفاء العباسيين المأمون ثم المعتصم والواثق من بعده ، وقد أخذ هؤلاء الخلفاء برأي فرقة المُعتزلة بأن القرآن مخلوق محدث ، فتصدى لهم الإمام أحمد بن حنبل ودحض آرائهم مما أدى إلى سجنه وتعذيبه ، وبعد أن خرج من السجن عاد إلى الحديث والتدريس إلى أن انتهت الفتنة في عهد الخليفة المتوكل
ثالثاً : الشيخ أحمد بن تيمية : تعرض الشيخ أحمد بن تيمية للسجن عدة مرات وتوفي وهو في السجن ، وكان لم يكُن مشاركاً في الكلمة فقط بل أيضاً مقاتلاً ، وبقي عاماً كاملاً يحثُّ الناس على الجهاد ، حتى استنفر السلاطين والأعيان لمواجهة التتار الذين كانوا سيدخلون دمشق ، وشارك في القتال في معركة شقحب في الثاني من رمضان عام 702هجرية وتحقق فيها النصر ، وبعدها أصبح مُعظماً في نفوس الناس وصار مرجعاً ومستشاراً مؤتمناً لأي ملكٍ ومرجعاً موثوقاً للحكام والمحكومين
رابعاً : الشيخ عبدالله بن مبارك : كان إماماً جليلاً وقضى حياته بين الحج والجهاد واشتهر بشجاعته الفائقة ، وشارك في سرية ببلاد الروم ، وكان نموذجاً للعالم العامل الذي يبذل نفسه وماله في الجهاد زمن صلاح الدين الأيوبي.
هؤلاء العلماء العظام ما هم إلا جزءٌ يسيرٌ من أمثالهم أمثال سفيان الثوري الذي رفض تولي القضاء في عهد الدولة العباسية في خلافة أبي جعفر المنصور وابنه المهدي فطاردوه وبقي متخفياً هارباً منهم حتى مماته ، وبهاء الدين بن شداد والفقيه عيسى الهكاري الذين كانوا يشاركون في أعمال الجهاد والمشاركة الفعلية في الغزوات ، ولن ننسى سعيد بن جبير ومجابهته للحجاج بن يوسف الثقفي وخلع البيعة عن أمير المؤمنين ، فسجنه الحجاج وعذبه وأمر بقتله
وخلاصة القول يا شيوخ السلاطين وشيوخ الدولار ، فما نراه في عصرنا الحالي من شيوخٍ يبيعون دينهم بدُنياهم ، ويفتون بفتاوى تتناسب مع أهوائهم وأهواء سلاطينهم ، فأين هم من دينهم ومن رسالتهم التي حملوها في أعناقهم ومؤتمنون في تبليغها للناس بصدقٍ وأمانة ، فما نراه من تلونٍّ في المواقف هو النفاق بعينه وهو شرُّ الأمور والذي يظهر فيه الشخصُ منهم بوجهين فالنفاق هو أخو الشرك ، ولا ننسى بعض الشيوخ الذين أفتوا بشرعنة الإستعانة بالتحالُف الصليبي لغزو العراق ، وإسقاط نظام القائد الشهيد صدام حسين رحمهُ الله ، وكان نتيجته تدمير بلاد الرافدين وقد عاثت فيها قوى الشر من تدمير وقتل الملايين ، وكذلك الحال في بلدان عربية أخرى أريقت فيها الدماء بسبب فتاوى الضلال والبُهتان ، والآن نرى شيوخ التطبيع الذين يُجملون الخيانة من أجل حفنة من مال ، وينسون ما قام به العدو الصهي وني من تدمير وقتل للشعب الفلسطيني ، وانتهاك للحرمات والمقدسات ، وعلى رأسها الأقصى الشريف أولى القبلتين وثالث الحرمين ، ووصلت الأمور إلى درجة أن يُلقي أحد الحاخامات خطبة الجمعة على المُسلمين ، فكيف ترضون أن يكون خطيبكم صه يوني وتعاليم كُتبه المُحرفة تحُضُّ على قتل المُسلمين ، وقتل من هو ليس بيهودي .
وها هم الآن يبرئون القاتل ويلومون الضحية ، ولم نسمع منهم أيُّ انتقادٍ للعدو الصهي وني وحلفائه بعد معركة طو فان الأقصى ويلومون المقا ومة الباسلة في غزة التي كسرت شوكة جيش الإحتلال في معركة طو فان الأقصى العظيمة وهزت منظومتهم الأمنية بعد إعداد وتخطيط متقن شهد له قادة الجيوش والمحللون العسكريون أجانب أو عرباً ، فما كان منكم إلا تجريم المقاومة والهجوم عليها ، وأن ما قاموا به هو إلقاء النفس إلى التهلكة مرجعهم الآية الكريمة في سورة البقرة – الآية 195 : {وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} فهؤلاء المشايخ تناسوا تفسير هذه الآية وبمن نزلت ، وقد نزلت في بعض الأنصار الذين تقاعسوا عن الجهاد من أجل أن يتفرغوا لمزارعهم بأن ذلك إلقاء بالنفس إلى التهلُكة ، فأين أنتم من العز بن عبدالسلام بائع الأمراء والملوك ، أم أحمد بن تيمية الذي كان يشارك بالكلمة والسيف ، وكذلك الحال عبدالله بن مبارك ، ولم يجاهدا بالسنن كما قال أحد شيوخ الحيض والنفاس للشهيد القائد أبي عبيدة الناطق الرسمي لحركة المقاومة الإسلامية : ( يا أبا عبيدة جاهد بالسُنن) وتناسى قول الله عز وجل في سورة الأنفال – الآية 60 : {وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ} وقال الله تعالى أيضا في سورة التوبة – الآية 41 : {انفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالاً وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ}
إن معركة طو فان الأقصى فضحت مُدعي الإسلام زوراً وبُهتاناً واستغلوا الدين لتصفية الحسابات ، أو لتحقيق مآرب دنيوية ، أو للتزلٌّف للسلاطين ، ويُدلسون على الناس بفتاوٍ مزعومة وتحريف معاني الآيات الكريمة أو الأحاديث النبوية بما يتناسب مع أهوائهم ، ويُسخروا فتاواهم لخدمة الحُكام وتبرير سياساتهم وغالباً ما تتسم أقوالهم بالتمسح بالسلطة وتبرير المظالم ومخالفة الحق من أجل مصالح دنيوية ، وقد صدق فيهم قول أبي هُريرة رضي الله عنه : ( إذا رأيت العالم يُخالط السلطان مُخالطةً كثيرة فاعلم أنه لص) ، فهؤلاء كما قال عنهم المفكر عبدالوهاب المسيري : ( إن هؤلاء يمثلون الصه يوني الوظيفي ، الصه يوني الأصلي معروفٌ لنا ويمكن مواجهته وتتوحد الجهود ضده أما الصهي وني الوظيفي فإنه يختبئ خلف أقنعة الدين فهو يحمل هويتنا ويتكلم لغتنا بلسانٍ عربي ، ويصلي معنا فهؤلاء يمثلون الكيان الإسرا ئيلي خير تمثيل ) وهؤلاء حالياً ينتشرون في الفضائيات ووسائل التواصل الإجتماعي.
وبعد كل هذا إسألوا أنفسكم يا شيوخ الدولار وشيوخ السلاطين هل أنتم حقاً كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أنكم ورثة الأنبياء ؟! فحاشا لله أن تكونوا منهم أو تتشبهون بعلماء الأمة السابقين كالعز بن عبدالسلام وابن تيمية وابن حنبل يا من تطعنون في أبناء المقا ومة في أرض العزة والكرامة - الصحابة الجدد ، وكُممت أفواهكم أمام مجازر الصه اينة من أبناء الطائفة المنصورة في أرض غزة الإباء أرض التضحيات – أرض الشهداء ، وأقول لكم عودوا إلى الله وتوبوا توبة نصوحا ، وقفوا مع المظلومين من شعوبكم لعل الله يكفر عنكم ذنوبكم وبما اقترفتم بحق هذه الشعوب التي هي أمانة في أعناقكم ، ورسالتي إلى الشرفاء من علماء الأمة ومن هم ورثة الأنبياء بحق أيقظوا فطرة شعوبكم وانشروا الوعي بينهم ،حتى تُرجعوا للإسلام عزَّه و تكُونُون قُدْوَة للمُسلمين ، ووالله الذِّي لا إله غيره ، لو بادرتم بأعمال النُّبُوَّة ، و لم تكتفوا بالتَّبليغ فقط على المنابر و في المنتديات ، لأتَّبَعكم المُسْلِمُون من جميع أقطار الدُّنيا ، بل و حتَّى الأجانب لأنَّكُم سوف تكونون رحمة للعالمين ، فتُحرِّكون فيهم الفِّطرة السًّليمة التي فطر الله النَّاس عليها ، أما شيوخ السلاطين فقد صدق قول الشاعر فيهم إذ قال:
شـيـوخَ الـسَّلاطينِ لا كـنـتمُ إذا لـم تـكـونـوا حُماةً للـديـن
لـبـسـتُـمْ عـمـائــمَكُـمْ حـيلـةً ومِـنْ تـحـتِها لِبْسةُ المارقينْ
فَـجِـلْـدُ الـثَّعـالـبِ أولـى بـكُـمْ فـأنـتـمْ أسـاتـذةُ الــمـاكـريـنْ
عـلـى الكُفْرِ والظَّالمينَ النَّعامُ وأَمَّـا عـلـيـنا فأُسْدُ الـعـريـنْ
فـــلا بــاركَ اللـهُ فــي مُـــدَّعٍ يـقـولُ ويُـفـتي بـغـشٍّ مُـبينْ
فــكــلُّ حــرامٍ يـصـيـرُ حـلالاً وصـرتُـمْ عـلى ربِّكُمْ تَفْتَرونْ
ولـولا بــقـيةُ خـوف انـكشافٍ لـصـرَّحْـتـمـوا أَنَّكمْ مُسْبِتُونْ
ألَـمْ تـقــرأوا في كـتـابِ الإلـهِ بـإذْنِ الـجهادِ لِمَنْ يُـظلمونْ ؟
ألـيـسَ يـقـولُ الرسولُ الكريمُ بـحقِّ الجهادِ على الجائرينْ ؟
فـأنتُمْ تُقِرُّونَ صُحْف الـرئيس وأمَّـــا لآيٍ فــــلا تـــقـــرأونْ
شيوخ السلاطين لستـم بـأهلٍ لــعــقـلٍ لـرأيٍّ لـنُصـحٍ لـدين
فـما عذرُكُم يومَ سُوءِ الحسابِ ويـومَ لـقـاءِ الـرَّسولِ الأمـينْ
يــقــول لــكــم لِــمَ فـرَّطـتـمـوا بـحـبـل الإلـه الـقوي الـمـتين
شـيـوخَ السلاطينِ إنّي نـصيحٌ فهل تُدركونَ ؟ وهل تسمعونْ ؟
فــتـوبــوا إلـى ربـكـم تــوبــةٌ ومـن قـبـل قـول أربِّ ارجـعون
صخر محمد حسين العزة
عمان – الأردن
22/4/2026

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مجلة وجدانيات الأدبية (( حكاية شيرين أبو عاقله )) بقلم الشاعر د. أسامه مصاروه

حكايةُ شيرين أبو عاقِله في الذكرى الثالثة لاسْتِشْهادِها وَصلتْ لجنينَ كبدرٍ هَلْ وبِقلْبٍ صافٍ مثلِ الطَلْ وًصلتْ لِتُغطي ما يعْملْ جيشٌ فظ...