مِــن الــمــهــد إلــى الـلــحــد
ما أعظم خلق الله وما أحسن وأجمل صنعه وإبداعه ، فقد خلق كل شئ في هذا الكون محكومٌ ومُقدَّرٌ بفترة زمنية لها بداية ولها نهاية ، فكل شيئ مخلوقٌ بحسب ما تقتضيه حكمته بدون زيادة ٍ أو نُقصان ، فالنبتة المزروعة بذرتها في الأرض لها دورة حياة تبتدئ بها ومن ثم تنتهي ، وقطرة الماء التي تحملها الغيوم عندما تنزل من السماء إلى الأرض فلا بُدَّ أن يكون لها نهاية ومستقرٍّ في الأرض ، والمجرات السماوية في السماء محكومة بفترة زمنية وتنتهي بسقوطها على الأرض على شكل شُهُبٍ أو نيازك تتبعثر في السماء على شكل غبار ، قال تعالى في سورة القمر – الآية 49 : {إِنَّا كُلَّ شَيۡءٍ خَلَقۡنَٰهُ بِقَدَرٖ}
وهكذا هو حال الإنسان منذ كان نُطفة في رحم أمه فعمرهُ مُقدَّرٌ ومسطور في لوحٍ محفوظٍ عند الله عزَّ وجلْ ، ولا بد له من نهاية في حال انتهاء أجله ، فكل أمرٍ قدَّرُه الله مُثبتٌ فيه وبوقتٍ معلوم لا يتقدم فيه ولا يتأخر ، قال تعالى في سورة الرعد – الآية 38 : {لِكُلِّ أَجَلٖ كِتَابٞ}
إن ما جعلني أكتب هذا المقال هي نظرة في حياة الإنسان وفي عمره فيما أفناه ، وهو في صراعٍ محموم من أجل الحصول على مكسبٍ مادي ، أو مركزٍ مرموقٍ في الحياة ، وأنظر إلى الصراعات بين الأمم واقتتالها من أجل مكاسب ومتاع دنيوي زائل ، وكأنهم سيعيشون إلى الأبد ، فلو عادوا إلى الله وتفكروا ونظروا اإلى الأمم التي سبقتهم ، كيف سادت ثم بادت ، فكل بداية ولها نهاية ، ولو فكروا بذلك لما تصارعوا واقتتلوا من أجل متاع الدنيا الزائل ولحل السلام والوئام في أرجاء الأرض كلها ، وهذا ما استخلف الله الإنسان في الأرض من أجل إعمارها وحمله أمانة عبادته والقيام بشعائره التي فرضها الله عليه .
يعيش الإنسان في دورة الحياة بمراحل عديدة وقد فصَّلها الله في الآيات الكريمة :[12-16] من سورة المؤمنون : {وَلَقَدۡ خَلَقۡنَا ٱلۡإِنسَانَ مِن سُلَٰالَةٍ مِّن طِينٖ(12) ثُمَّ جَعَلۡنَٰاهُ نُطۡفَةٗ فِي قَرَارٖ مَّكِينٖ(13) ثُمَّ خَلَقۡنَا ٱلنُّطۡفَةَ عَلَقَةٗ فَخَلَقۡنَا ٱلۡعَلَقَةَ مُضۡغَةٗ فَخَلَقۡنَا ٱلۡمُضۡغَةَ عِظَٰامٗاً فَكَسَوۡنَا ٱلۡعِظَٰامَ لَحۡمٗا ثُمَّ أَنشَأۡنَٰاهُ خَلۡقًاً آخَرَ فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحۡسَنُ ٱلۡخَٰالِقِينَ(14) ثُمَّ إِنَّكُم بَعۡدَ ذَٰلِكَ لَمَيِّتُونَ(15) ثُمَّ إِنَّكُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَامَةِ تُبۡعَثُونَ(16)}.
فمسيرة حياة الإنسان منذ كان نطفة في رحم الأم ومن ثم الولادة فسَّرتها هذه الآيات برحلة الإنسان كاملة من المهد إلى اللحد يتخللها ما تمر في حياته من أمور وتجارب إنسانية ومسيرة تمتد عبر أيام وسنين وعقود مليئة بالتحديات ومجابهة صعاب الحياة والتعليم المستمر في مدرسة الحياة ويظل الإنسان تلميذاً فيها إلى أن تحين ساعة الأجل ، وما بين المهد واللحد تكون مسيرة الحياة ما بين فرح وترح ، يتنقل بين مراحلها المتعاقبة وهي كما يلي :
أولاً : المهد : حيث يخرج الإنسان إلى الحياة ومعه صفحة بيضاء صافية نقية ليس فيها أيُّ شائبة ، ستُملؤ لاحقاً بما يعمله في حياته من أعمال
ثانياً : مرحلة الطفولة : وهذه مرحلة تمتد منذ ولادته حتى بلوغه سن الرُشد وهي مرحلة بناء الشخصية وفيها يتشرب الطفل المبادئ وتتشكل شخصيته
ثالثاً : مرحلة الشباب والنُضج : وهي أهم مراحل عُمر الإنسان حيث تتبلور شخصيته ، وهذه المرحلة تمتاز بالذروة والقوة والنشاط وتتفتح مدارك الإنسان ، ويبدأ مواجهة واقع الحياة بحلوها ومُرِّها ، وبها يعرف أن ليس كل شئ مفروشٍ بالورود ، بل سيجد في طريقه الأشواك وعليه أن يعرف كيف يتجاوزها
رابعاً : مرحلة الكهولة: في هذه المرحلة يبدأ ميزان الحياة بالإعتدال والإستقرار النفسي والإجتماعي ، ويعرف فيها الإنسان قيمة الصحة عندما تبدأ قدراته البدنية بالتراجع
خامساً : مرحلة الشيخوخة: وهي بداية النهاية للمراحل العمرية للإنسان حيث تتراجع الوظائف الجسدية والمعرفية وتضعف العضلات ، وفيها يصبح الإنسان كالأشجار في فصل الخريف تذبل أوراقه وتتساقط ، وهي مرحلة ذكرها القرآن الكريم بأنها أرذل العمر ، قال تعالى في سورة النحل – الآية70 :{وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّىٰكُمْ ، وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰٓ أَرْذَلِ ٱلْعُمُرِ لِكَىْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍۢ شَيْـًٔا ، إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌۭ قَدِيرٌۭ } ، وما عليه في هذه المرحلة إلا أن يكون ترك من أثره ذكرى طيبة ، وإن الإنسان لا يملك سوى قلبه وأعماله في الحياة الدنيا
سادساً : اللحد : وفيها إستقرار الجسد والصمت الأبدي ، وفيها إكتمال رحلته في هذه الحياة ، ولا يأخذ معه إلا أعماله لتكون زاداً له في رحلته إلى الدار الآخرة ، فالحياة ليست بطولها أو قصرها بل بما تركناه فيها من أثر وبما سطرناه نحن فيها من أعمال
وبهذا فإنه في هذا الكون لا بقاء إلا لله عزَّ وجلْ ، وما دونه كُلَّ شئٍ زائل ، وكما قال الشاعر أبو البقاء الرندي :
لكُلِّ شئٍ إذا ما تمَّ نُقصانُ فلا يُغرَّ بطيب العيش إنسانُ
هي الأمورُ كما شاهدتها دولٌ من سرَّهُ زمنٌ ساءته أزمانُ
وهذه الدارُ لا تُبقي على أحدٍ ولا يدوم على حالٍ لها شانُ
فجائع الدهر أنواعٌ مُنوعةٌ وللزمان حسراتٌ وأحزانُ
فيا أيُّها الإنسان يا من تحتفلُ كل عامٍ بيوم ميلادك ، وتُقيم الموائد وتدعو مُحبيك وأصدقائك للإحتفال معك ، فإن احتفالك هو بكم مضى من عُمرك ، وعداد عُمرك ينقُص كل عام ، فعندما نكبر كل يوم ، ويزداد العُمر رقماً ، فهذا الرقم الذي يتزايد يوماً تُلو الآخر ، ما هو إلا عداد أو كأسٍ رملي ينقص من سنين عُمرك المكتوبة لك ، فالعُمر ليس رقماً ، وإنما هو مقياس لروحك ومدى نُضجها ، ولعقلك ومدى تفكيرك السوي بالحياة لكي يضع محطات حياتك من بدايتها من المهد فالطفولة والشباب ثم الشيخوخة ، ثم اللحد في حاتك فإما خاطئٌ آثمٌ أو على السراط المستقيم وهذا الرقم هو مقياس لنهاية رحلتك في الحياة ، وكم مضى عليك فيها ، وكم المتبقي لك فيها ، وماذا عملت وقدمت في سِنيَّ حياتك الماضية ، ولهذا يا أيُّها الإنسان عليك أن تُراجع نفسك ، وتُعيد تقييم مسيرة حياتك ، ومحاسبة نفسك ، وعليك في تقدمك في العُمر أن تُقارن بما مضى من عُمرك ، وتعقد محكمة لنفسك قبل أن تقعد أمام المحكمة الربانية ، وتبين في محكمة الذات الغث من السمين ، وتُصلح ما قد فسد ، من أجل أن تسعى إلى مغادرة رحلة حياتك القصيرة مُحرزاً نُقاطاً كبيرة ،ومجمعاً رصيداً كبيراً لرحلتك التي فيها يوم الحساب عند الله العلي العظيم ، ولتكون حياتك السابقة مصدر فخرٍ لورثتك تاركاً بصمةً وأثراً طيباً ، وتكون قدوة لهم يُحتذى بها.
وخلاصة القول إن حياتنا عبارة عن قطار يسير بلا توقف ، ونحن ركابه ، وكل إنسانٍ فيه لا بد له من محطة نهائية ، وأن ينزل فيها دون رجعة للدنيا ولا يحمل فيها من متاع الدنيا أيُّ شئ إلا أعماله وما قدَّمَ في حياته ، وعليه في كل محطة يمرُّ فيها أن يتوقف مع نفسه ليسألها : [ من أنا؟ وإلى أين أنا ذاهب؟ ، ماذا حققتُ وأنجزت في حياتي؟ وهل يُمكنني إدراك ما فاتني؟ وكيف سأعيش ما تبقى لي من العُمر وأتجاوز مطبات الحياة ما بين صعودٍ وهبوط ، وسيدركك الوقت في التفكير ، وتكون قد وصلت إلى محطتك الأخيرة وفيها خريف العُمر وليأتي الموت بغتة وكأنك لم تكن ، وكأنك كنت طيفاً مرَّ على الدُنيا واختفى ، ولن يكون لك ذكرٌ إلا بما قدمت من أعمال صالحة في مسيرة حياتك ، ولله در شاعرنا منذر أبو حلتم إذ قال عن قطار العمر نقتطف من قصيدته بعض الأبيات:
هو ذا قطار العمر يمضي مُسرعاً لا ينحني صوب الليالي الماضيات
في رحلة تمضي بدرب واحدٍ ما بين أحلام الحياة الواعدات
وقطار عمرك لا محالة واصلٌ وانظر وراءك للخمسين مودعات
وانظر أمامك باحثاً ... فلربما اقترب الوصول فكل ما في الغيب آت
صخر محمد حسين العزة
عمان – الأردن
8/5/2026


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق