الأحد، يونيو 14، 2026

مجلة وجدانيات الأدبية (( المسيرة الكبرى )) بقلم الكاتب عبدالفتاح الطياري -تونس

******************
المسيرة الكبرى
​بينما كانت الطائرة تشق عباب الغيوم، لم تكن تنقل جسداً من مكان إلى آخر، بل كانت تعبر بروحٍ قررت أن تخترق "نهر الزمن" من مصبه الحديث إلى منابعه الأولى. هذه قصة رحلة لم تبدأ بختم جواز السفر، بل بفتح مغاليق الفكر.
​شانغهاي.. مِرآة الغد
​في شانغهاي، وقفتُ على ضفة "البوند" كمن يتأمل نقطة التلاشي بين زمنين. على يمين النهر، كانت الأبراج تطاول السماء كأصابع من ضوء تحاول أن تمسك بالمستقبل قبل أن يولد. هناك، أدركتُ أن الإنسان في صراعه مع الزمن قد قرر أن يسبقه.
كانت تلك الأبراج تمثل "الأنا" الطموحة التي لا تشبع، وهي تتراكض خلف الأرقام والسرعة. لكنني، حين نظرتُ إلى انعكاس تلك الأضواء الساطعة في ماء النهر العكر، فهمت الفلسفة الأولى: حتى أكثر الأشياء حداثة، تحتاج إلى ماء قديم لترتكز عليه.
​زيان.. حوار مع الصمت الأرضي
​انتقلتُ إلى زيان، فغادرتُ ضجيج "الآن" لألج صمت "الأبد". في خنادق "جيش التراكوتا"، لم أرَ تماثيل من طين، بل أبصرتُ مرايا لآلاف البشر الذين ظنوا يوماً أنهم سيخلدون بحماية إمبراطورهم.
كان كل جندي صامت يسألني: "ما الذي تتركه وراءك؟". وهناك، وسط الحي الإسلامي، حيث تلتقي تلاوة القرآن بهندسة المعابد الصينية، أدركتُ الفلسفة الثانية: أن الهوية ليست سجناً، بل هي خيط حرير يربط بين القلوب رغم تباعد القبلات. زيان لم تكن مجرد مدينة، كانت "ذاكرة الأرض" التي تذكرنا بأننا جميعاً سنعود يوماً إلى ذات الطين الذي جئنا منه.
​بكين.. ثقل العرش وخفة الروح
​في بكين، كان "السور العظيم" يمتد فوق الجبال كعمود فقري لتنين نائم. مشيتُ فوق ظهره المتعرج، وشعرتُ بالثقل التاريخي الذي تحمله تلك الحجارة. أما "المدينة المحرمة" فكانت متاهة من الأبواب؛ كلما فتحتُ باباً وجدته يفضي إلى باب آخر.
حينها أدركتُ أن السور لم ينهض لحماية الصين من الأعداء بقدر ما كان محاولة بشرية يائسة لرسم حدودٍ لللانهاية. وكانت الفلسفة الثالثة: أن أعظم الأسوار ليست تلك المبنية من حجر، بل هي التي نبنيها داخل عقولنا لنحتمي بها من التغيير.
​هونج كونج.. رقصة الأضداد
​ختمتُ الرحلة في هونج كونج، حيث الجبال تلمس البحر، والفقر يصافح الغنى في زقاق واحد. ركبتُ "العبّارة" وسط الضباب، فرأيتُ ناطحات السحاب تختفي وتظهر كالأشباح.
هونج كونج هي "البرزخ"؛ هي الحالة التي يكون فيها الإنسان معلقاً بين وطنه وحريته، بين شرقه وغربه. هناك علمتني الفلسفة الأخيرة: أن الاستقرار وهم، وأن الجمال الحقيقي يكمن في "السيولة"؛ أن تكون كالماء، يتشكل بكل الإناءات لكنه يظل في جوهره نقياً.
صدمة الإياب.. والطائرة تحلق فوق بلاد التنين، كان سؤالٌ واحد يجلدني: أين نحن؟!
​لم تكن رحلتي إلى الصين نزهة في جغرافيا غريبة، بل كانت انخراطاً واجتيازاً لـ "المسيرة الكبرى"؛ تلك التي بدأت بحجارة السور العظيم ولم تنتهِ بناطحات سحاب شانغهاي. هناك، رأيتُ كيف يولد التاريخ من مشقة السير وانصهار الإرادة في بوتقة واحدة.
​لكنني، بمجرد أن وطئت قدماي أرض العودة، وجدتُ نفسي في مواجهة مسيرة من نوع آخر: مسيرة الانحدار التي تحاصر واقعنا العربي. عدتُ من سفرٍ في بلادٍ أعادت اختراع المنطق ولم تتركه رسماً متحجراً في كتب الأقدمين، فإذا بهواجس هذا الحال تجلدني وتصارعني.
​لقد عدتُ من الصين، لكنني لم أعد الشخص نفسه الذي سافر؛ تركتُ في شانغهاي طموحي الزائد، وفي زيان كبريائي، وفي بكين خوفي من المجهول، وفي هونج كونج تعلمتُ كيف أرقص وسط الفوضى. غير أن سؤالاً واحداً ظل يمزقني مع كل خطوة: هم يسيرون بعبقرية المادة والروح نحو غدهم، ونحن نراوح في زنازين الذاكرة.. فأين نحن من قطار التاريخ الذي يدهس العواطف ويمضي، بينما لا نزال نقتات على رماد الماضي في عالمٍ يزحف باستمرار، لا ينتظر الواقفين، ولا يلتفت للباكين على الأطلال؟
​الرحلة لم تكن "إلى" الصين، بل كانت "عبر" الصين.. لاكتشاف أن المسافة بين الإنسان ونفسه، هي أطول طريق حرير يمكن أن يسلكه يوماً.
بقلمي عبدالفتاح الطياري -تونس

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مجلة وجدانيات الأدبية (( ما يؤرق جفني )) شعر / المستشار مضر سخيطه - السويد

_______ ما يؤرق جفني شعر / المستشار مضر سخيطه - السويد محاطٌ بفقد التأقلم مكيدة بحيرات بؤبئها وأهدابها شبه أنشوطةٍ كسنارة صيدٍ أرستق بعد ال...