هل ضَلَّت العيسُ ؟
د. سعيد العزعزي
................................................
هَل ضَلَّتِ العِيسُ في البِيدَاءِ يَا عَرَبُ ؟
أم ضَيَّعُوهَا فَاردَى نُبلَهَا السَّغَبُ ؟
المَاءُ في الظَّهرِ لَا يُطفِي لَظَى كَبِدٍ
والفَمُّ جَفَّت وَلَا رِيقَاً فَيُنتَغَبُ
لَا ذَنبَ لِلعِيسِ إن غَاصَت قَوَائِمُهَا
إن خَطَّفَتهَا إلى احضَانِهَا الكُثُبُ
فَالذَّنبُ في ذِمَّةِ السُّيَّاسِ إذ تَرَكُوا
لِلعِيسِ مَعصُوبَةَ الاعيَانِ تُستَلَبُ
مَاذَا دَهَى الرَّكبُ لَم نَلقَ لَهُ اثَرَاً؟
لَاحَت رُكُوبٌ وَرَكبُ العُربِ مُحتَجِبُ
فيِمَا مَضَى كَانَتِ الفُرسَانُ سَابِقَةً
والخَيلُ وَالعِيسُ لِلمِيدَانِ تَنتَهِبُ
يَحمِي الحِمَى بَاسِلٌ كَالرَّعدِ مُرتَجِزٌ
كَرَّارُ مَبهُورُ مِن إقدَامِهِ العَجَبُ
قُومٌ إذَا بَادَرُوا الاعدَاءَ مَا وَهَنُوا
وَالبَاسُ من جُندِهِم وَالرُّعبُ وَالرَّهَبُ
صَالَوا وجَالُوا بِسَاحَاتِ الوغَى شَرَفَاً
اسدٌ كُمَاةٌ على اعدَاءِهِم وَثَبُوا
كَالمَدِّ يَجتَاحُ مَا لَاقَاهُ مُكتَسِحَاً
كَالسَّيلِ في حَدوَرٍ يَطغُو وَيَختَرِبُ
صُنَّاعُ مُجدٍ رِجَالٌ فَاتِحُونَ إذَا
حَلُّوا بِارضٍ غَشَاهَا الرَّغدُ والخَصَبُ
مِشكَاةُ نُورٍ انَارَوا في دُجَى حِقَبٍ
حَتَّى تَزَاهَت وَبَاهَت فِيهِمُ الحِقَبُ
***************************
وَاليَومَ خُرتُم عَدَوتُم عَدوَ سُلحُفَةٍ
تَمشِي على رَسلِهَا والخَلقُ قد ذَهَبَوا
كَنَّا الِفنَا لَكُم تَاخِيرَ رَكبِكُمُ
عَن كُلِّ رَكبٍ وَلَم يُبدَى لَنَا السَّبَبُ
هَل اوقِفَ الدَّفقُ في الشِّريَانِ فَانتَخَرَت؟
اطرَافُكُم غَرغَرَت وَاجتَاحَهَا الجَدَبُ
بِتُّم كُسَاحَى فَغُلَّت ثَمَّ ارجُلُكُم
شُلَّت بِتَكبِيلِهَا الاقدَامُ والرُّكَبُ
قَادَاتُنَا قد غَدَت اقدَامُهُم خَشَبٌ
لَن يَطوِيَ الارضَ من اقدَامُهُ خَشَبُ
بِتنَا مُعَاقِينَ ظَهرُ العِيسِ يَحمِلُنَا
لم يُثنِهَا الحِملُ لَكِن عَمَّنَا الحَدَبُ
مَا اعظَمَ العِيسَ لَم تَنسَ اصَالَتَهَا
لَمَّا نَسَت اصلَهَا الهَامَاتُ وَالنُّخَبُ
مَهمَا تُعَانِي فَمَا خَارَت عَزِيمَتُهَا
مَعلُولَةً مَسَّهَا الإعيَاءُ والنَّصَبُ
في شِدَّةِ القَيضِ لَا مَاءً وَلَا كَلَاً
صَبَّارَةٌ لَم يَجُل في خَطرِهَا الهَرَبُ
عَاقَ المُعَاقُونَ عِيسَاً تَرتَوِي ظَمَاً
تَقتَاتُ جُوعَاً وَيُبقِي خَفقَهَا الحَسَبُ
لَكِنَّهَا حِينَما مُسَّت كَرَامَتُهَا
قَد عَافَتِ العَيشَ لَمَّا ذَلَّهَا النَّسَبُ
***************************
يَا وَيلَ حُكَّامِنَا كَم يَكذِبُوا عَلَنَاً
إن مَثَّلُوا غَضبَةً كم يَضحَك الغَضَبُ
كَالقَطرِ تَهمِي حِمَامٌ فُوقَ غَزَّتِنَا
وَالبَحرُ مَسجُورُ وَالوِيلَاتُ تَنصَبِبُ
لَكِنَّهُم اصدَرُوا اصوَاتَ قَعقَعَةٍ
امَّا الطَّحِينُ الَّذِي نَرجُوهُ مَا وَهَبُوا
دَوَّى هَزِيمٌ اصَمَّ الاذنَ رَاعِدُهُم
هَزمَاً وَمَا جَاءَنَا من سُحبِهِم سَكَبُ
كَم عَوَّدُونَا على دَغدِيغِ مَسمَعِنَا
بالشَّجبِ زُورَاً إذَا يَجتَاحُنَا النَّكَبُ
وَاليَومَ اضحَوا وَنَارُ اليُهدِ تُحرِقُنَا
عُميٌ وَبُكمٌ غَشَى اسمَاعَهُم عَطَبُ
افعَالُهُم انجَبَت في بَارِحٍ خُطَبَاً
وَاليَوم قد عَزَّتِ الاقوَالُ والخُطَبُ
مَاذَا دَهَى نَخوَةَ العُربَانِ هَل وُئِدَت؟
ام اذعَنَ الرَّاسُ لَمَّا قَادَهُ الذَّنَبُ ؟
كُنَّا إذا مَا نَوَى إيذَاءَ إخوَتِنَا
عِلجٌ اتَى فَاسُنَا لِلعِلجِ يَحتَطِبُ
إن أنَّ عُضوٌ وَبِنتُ الدَّهرِ تَعصِرُهُ
فَورَاً تَدَاعَت لَهُ الاعضَاءُ وَالعُصَبُ
وَالآنَ مَا حَسَّتِ الاعضَاءُ حُرقَتَهُ
هَدَّت لِبُنيَانِهِ الاسقَامُ وَالكُرَبُ
يَا وَيحَنَا قد غَدَونَا عِبَئَ حَاضِرِنَا
كَم تَزدَرِي خَورَنَا الالقَابُ والرُّتَبُ
نَشكُو وَمَا قَد بَذلنَا جَهدَنَا تَعَبَا
مِن قَبلِ سَعيٍ شَكَى إعيَاءَنَا الوَصَبُ
مَاتَت على مَسرَحِ التَّهرِيجِ نَخوَتُنَا
اردَت لِهِمَّاتِنَا الكَاسَاتُ والقِربُ
زِدنَا انحِطَاطَاً فَازرَى ذَوقَنَا تَفَهٌ
اقصَى تُرَاثَاً فَغَابَ الفَنُّ وَالطَّرَبُ
نَرعَى نُحَاسَاً صَدِيئَاً لَا بَرِيقَ لَهُ
حُمقَاً وٕيُرمَى إلى مِزبَالِنَا الذَّهَبُ
لَن يُوقِظَ القَلبَ مَا تَلقَاهُ امَّتُهُ
إن كَانَ إدمَانُهُ التَّرفِيهُ واللَّعِبُ
***************************
سَادَاتُنَا إن غَزَا الاعَداءُ دِيرَتَنا
لَانُوا كَرَقَّاصَةٍ يُقضَى بِهَا الارَبُ
تُبَّاعُ خُضَّاعُ عُبَّادٌ لِسَيِّدِهِم
خَانُوا شُعُوبَاً وَبَاعُوا الارضَ وانقَلَبُوا
امَّا على بَعضِهِم فَالبَاسُ يَعرِفُهُم
شَدُّوا ازَارَاّ وَجَدُوا العَزمَ واحتَرَبُوا
الحَالُ يُغنِي عَنِ التِّسآلِ سَائِلَهُم
فَضَّاحُ كَالصُّبحِ لِلحُكَّامِ إن كَذَبُوا
مَا نَفعُ خِيلٍ اصِيلٍ فَوقَ صَهوَتِهَا
اوبَاشُ إن دُوهِمَت اوطَانُهُم هَرَبُوا
مَا هَزَّ نَصلَ القَنَا مَن كَلَّ سَاعِدُهُ
لَا يُحسِنُ الرَّميَ وَاهٍ قَلبُهُ ثَلِبُ
وَالسِّيفُ مَا نَفعُهُ في كَفِّ مُرتَعِدٍ
خَوَّافُ مِن ظِلِّهِ ارخَى لَهُ الرَّطَبُ
تَبَّاً لِمَن ضَيَّعُوا امجَادَ امَّتِهِم
استَبدَلُوا عِزَّةً بالذُّلِّ وَانتَقَبُوا
في لَهوِهِم ضَاعِتِ الاخلَاقُ واغتَرَبَت
هَامَت على وَجهِهَا فَاستَوحَشَ الادَبُ
قَد سَابَقَتكُم رِعَاعٌ وارتَقَت امَمٌ
مَن كَانَ حَمَّالَكُم اضحَى لَكُم قَتَبُ
***********************
نَزهُو بِاجدَادِنَا فَخرَاً وَقَد رَحَلُوا
لَكِنَّهُم اذهَلُوا التَّارِيخَ واكتَتَبُوا
نَزهُو وَافعَالُنَا صِفرَاً إذَا ذُكِرُوا
وَالإرثُ فِي عَهدِنَا مَسلُوبُ مُغتَصَبُ
مَاذَا صَنَعنَا سَوَى تَضيِيعِ مَا صَنَعُوا
كَانُوا حُصُونَاً فَصِرنَا بَعدَهُم خَرَبُ
هُنَّا فَادمَت دِيَارَ العُربِ ذِلَّتُنَا
صِرنَا شِيَاهً لَهَا الاعدَاءُ تَحتَلِبُ
والنَّارُ مَا خَلَّفَت إلَا رَمَادَتَهَا
لِلرِّيحِ ذَرَّت رَمَادَاً وانطَفَى اللَّهَبُ
نَبكِي على مَجدِنَا وَالمَجدُ يُنكِرُنَا
والليلُ يَعوِي كَذِئبٍ بَاتَ يَنتَحِبُ
يَا ظُلمَةَ اللِّيلِ مَهمَا طُلتِ تَنقَشِعِي
فَالصُّبحُ مِن حُلكَةِ الاسحَارِ يَنسَرِبُ
زِيدِي حُلُوكَاً فَلَن يَخبُو لَنَا امَلٌ
إن شُدِّدَ العُسرُ فالإيسَارُ يَقتَرِبُ
مَهمَا كَوَى رُوحَنَا جَدبٌ وُإن مَنَعَت
قَطرَاً وَشَحَّت على إكرَامِهَا السُّحُبُ
مَا زَالَ نَبض الثَّرَى رَجَّاءُ مُرتَقِبٌ
صَيبَ الغُيُومِ الَّذِي تَحيَا بِهِ التُّرَبُ
د. سعيد العزعزي