أدب الطفل: «سَارِقُ الوَقْتِ الصَّغِيرُ»
لَمْ يَكُنْ فَارِسٌ يَكْرَهُ المَدْرَسَةَ. كَانَ يَكْرَهُ شَيْئًا وَاحِدًا فَقَطْ: أَنْ يَفُوتَهُ شَيْءٌ.
فَارِسٌ فِي الحَادِيَةَ عَشْرَةَ، نَحِيلٌ كَقَلَمِ الرَّصَاصِ، خَفِيفٌ كَظِلٍّ يَرْكُضُ، وَعَيْنَاهُ وَاسِعَتَانِ تَلْمَعَانِ بِبَرِيقِ المُتَسَابِقِينَ. إِذَا دَخَلَ سَاحَةَ المَدْرَسَةِ، صَارَ لِلْجَرْيِ مَعْنًى، وَإِذَا رَفَعَ يَدَهُ فِي حِصَّةِ الحِسَابِ، صَمَتَ القِسْمُ لِيَسْمَعُوا جَوَابَهُ. كَانَ الأَوَّلَ حِينَ يَرْكُضُ، وَالأَوَّلَ حِينَ يَحْسِبُ، حَتَّى جَاءَ ذَلِكَ المَسَاءُ الخَرِيفِيُّ الَّذِي تَغَيَّرَ فِيهِ كُلُّ شَيْءٍ.
وَضَعَ أَبُوهُ بَيْنَ يَدَيْهِ صُنْدُوقًا صَغِيرًا، أَمْلَسَ، يُضِيءُ إِذَا لَمَسَهُ، كَأَنَّهُ قِطْعَةٌ مِنَ القَمَرِ سَقَطَتْ فِي كَفِّهِ.
قَالَ أَبُوهُ وَهُوَ يَبْتَسِمُ، بِنَبْرَةٍ لَا يَنْسَاهَا فَارِسٌ: "يَا بُنَيَّ، هَذَا هَاتِفٌ ذَكِيٌّ، صَنَعَهُ الأَذْكِيَاءُ لِيُقَرِّبَ البَعِيدَ، لَا لِيُبْعِدَ القَرِيبَ. هُوَ نَافِذَةٌ، وَلَيْسَ بَيْتًا. خُذْهُ، وَلَكِنْ تَذَكَّرْ: كُنْ أَنْتَ سَيِّدَهُ، وَلَا تَكُنْ عَبْدَهُ."
هَزَّ فَارِسٌ رَأْسَهُ، وَضَحِكَ، وَلَمْ يَفْهَمِ المَعْنَى إِلَّا بَعْدَ فَوَاتِ الأَوَانِ.
فِي الأُسْبُوعِ الأَوَّلِ، كَانَ الصُّنْدُوقُ لُعْبَةً بَيْنَ الأَلْعَابِ. يَضَعُهُ بِجَانِبِ كُتُبِهِ، يَلْعَبُ بِهِ قَلِيلًا، ثُمَّ يَعُودُ إِلَى دَفَاتِرِهِ المَدْرَسِيَّةِ، إِلَى كُرَتِهِ الجِلْدِيَّةِ، إِلَى قَصَصِهِ المُصَوَّرَةِ.
وَفِي الأُسْبُوعِ الثَّانِي، بَدَأَ الصُّنْدُوقُ يَكْبُرُ. لَمْ يَكْبُرْ فِي حَجْمِهِ، بَلْ كَبُرَ فِي رَأْسِ فَارِسٍ. صَارَ يَأْكُلُ وَالشَّاشَةُ تَأْكُلُ مَعَهُ، يُرَاجِعُ وَالشَّاشَةُ تُرَاجِعُ مَعَهُ، يَنَامُ وَالشَّاشَةُ لَا تَنَامُ، تُضِيءُ فِي العَتْمَةِ كَعَيْنٍ صَغِيرَةٍ لَا تَغْمِضُ. تَرَكَ كُتُبَهُ مَفْتُوحَةً كَأَفْوَاهٍ عَطْشَى تَنْتَظِرُ، وَغَرِقَ فِي عَالَمٍ يَلْمَعُ بِلَا تَوَقُّفٍ: مَعَارِكُ لَا تَنْتَهِي، كُنُوزٌ تَظْهَرُ وَتَخْتَفِي، نُجُومٌ تَلْمَعُ إِذَا نَقَرَ، وَتَصْفِيقٌ كَثِيرٌ بِلَا أَكُفٍّ.
كَانَتْ أُمُّهُ تَمُرُّ مِنْ وَرَائِهِ وَتَقُولُ بِرِفْقٍ: "يَا فَارِسُ، الوَقْتُ يَمْضِي بِسُرْعَةٍ."
فَيُجِيبُ دُونَ أَنْ يَرْفَعَ رَأْسَهُ: "دَقِيقَةٌ يَا أُمِّي، هَذِهِ هِيَ المَرْحَلَةُ الأَخِيرَةُ فَقَطْ!"
وَكَانَتِ الدَّقِيقَةُ الأَخِيرَةُ لَا تَنْتَهِي أَبَدًا، بَلْ تَلِدُ دَقَائِقَ أُخْرَى، وَأُخْرَى.
حَتَّى حَلَّ صَبَاحُ الخَمِيسِ، الصَّبَاحُ الَّذِي لَا يُنْسَى. القِسْمُ هَادِئٌ، وَالمُعَلِّمُ الأُسْتَاذُ عَدْنَانُ يُوَزِّعُ أَوْرَاقَ الِاخْتِبَارِ عَلَى المُمْتَحَنِينَ، وَصَوْتُ المَطَرِ الخَفِيفِ عَلَى النَّوَافِذِ يَمْلَأُ القَاعَةَ مُوسِيقَى لَطِيفَةً مِنْ صُنْعِ الطَّبِيعَةِ.
قَرَأَ فَارِسٌ السُّؤَالَ الأَوَّلَ بِخَطِّ المُعَلِّمِ الجَمِيلِ: اِحْسِبْ مِسَاحَةَ الحَدِيقَةِ إِذَا كَانَ طُولُهَا 8 أَمْتَارٍ وَعَرْضُهَا 7 أَمْتَارٍ.
مَسْأَلَةٌ كَانَ يَحُلُّ مِثْلَهَا وَهُوَ مُغْمَضُ العَيْنَيْنِ. لَكِنَّ قَلَمَهُ تَوَقَّفَ. حَاوَلَ أَنْ يَتَذَكَّرَ القَاعِدَةَ. كَانَ يَعْرِفُهَا، كَانَ يَحْفَظُهَا كَاسْمِهِ. لَكِنَّ الكَلِمَاتِ بَدَتْ بَعِيدَةً، كَأَنَّهَا مَوْضُوعَةٌ فِي خِزَانَةٍ فِي أَعْلَى الرَّفِّ، وَضَاعَ مِفْتَاحُهَا. فِي رَأْسِهِ، بَدَلًا مِنْ جَدْوَلِ الضَّرْبِ، كَانَتْ أَصْوَاتٌ أُخْرَى تَتَزَاحَمُ وَتَتَصَايَحُ: اِنْقُرْ هُنَا! اِفْتَحِ الصُّنْدُوقَ! اِرْبَحْ نَجْمَةً إِضَافِيَّةً! حَاوِلْ مَرَّةً أُخْرَى!
نَظَرَ حَوْلَهُ مُرْتَبِكًا. زُمَلَاؤُهُ مُنْهَمِكُونَ، أَقْلَامُهُمْ تَمْشِي بِثِقَةٍ فَوْقَ الوَرَقِ كَخُيُولٍ صَغِيرَةٍ تَعْرِفُ طَرِيقَهَا. أَمَّا هُوَ، فَقَدْ شَعَرَ لِلْمَرَّةِ الأُولَى فِي حَيَاتِهِ بِشُعُورٍ غَرِيبٍ وَثَقِيلٍ: أَنَّ الشَّاشَةَ الَّتِي أَعْطَتْهُ كُلَّ شَيْءٍ بِلَا تَعَبٍ، أَخَذَتْ مِنْهُ أَثْمَنَ شَيْءٍ بِلَا ضَجِيجٍ: قُدْرَتَهُ عَلَى التَّرْكِيزِ، عَلَى الصَّبْرِ، عَلَى البَقَاءِ مَعَ فِكْرَةٍ وَاحِدَةٍ حَتَّى النِّهَايَةِ.
عَادَ فِي ذَلِكَ اليَوْمِ إِلَى المَنْزِلِ مُكْتَئِبًا بِوَرَقَةٍ عَلَيْهَا عَدَدٌ مُسْنَدٌ لَمْ يَرَهُ مِنْ قَبْلُ: 10 مِنْ 20. لَمْ تَصْرُخْ أُمُّهُ وَلَمْ تُوَجِّهْ إِلَيْهِ اللَّوْمَ، وَلَمْ يُعَاقِبْهُ أَبُوهُ. وَهَذَا مَا أَوْجَعَهُ أَكْثَرَ مِنْ أَيِّ عِقَابٍ. وَضَعَ أَبُوهُ يَدَهُ الدَّافِئَةَ عَلَى كَتِفِهِ، وَنَظَرَ إِلَى الوَرَقَةِ طَوِيلًا، ثُمَّ قَالَ بِهُدُوءٍ مُوجِعٍ: "مَا الَّذِي حَدَثَ لِحَدِيقَتِكَ يَا فَارِسُ؟ مَنِ الَّذِي سَرَقَ مِسَاحَتَهَا؟"
فِي اللَّيْلِ، لَمْ يَسْتَطِعِ النَّوْمَ. كَانَ السَّقْفُ فَوْقَهُ مُظْلِمًا، وَالهَاتِفُ بِجَانِبِ وِسَادَتِهِ يُضِيءُ كُلَّ حِينٍ كَأَنَّهُ يُنَادِيهِ. نَهَضَ فَجْأَةً، وَأَبْعَدَ الهَاتِفَ، وَفَتَحَ دَفْتَرَهُ المَدْرَسِيَّ عَلَى صَفْحَةٍ بَيْضَاءَ. وَكَتَبَ فِي أَعْلَاهَا بِخَطٍّ مُرْتَجِفٍ، كَبِيرٍ، كَأَنَّهُ عُنْوَانُ بَحْثٍ: «لِمَاذَا أَنْسَى؟»
ثُمَّ أَجَابَ، وَكَأَنَّهُ صَارَ مُعَلِّمًا لِنَفْسِهِ: «لِأَنَّنِي لَمْ أُرَاجِعْ. لِأَنَّنِي تَرَكْتُ عَقْلِي غُرْفَةً فَارِغَةً، بِلَا بَابٍ، يَدْخُلُهَا كُلُّ عَابِرٍ. لِأَنَّنِي لَمْ أَعُدْ أَقْرَأُ سَطْرًا كَامِلًا دُونَ أَنْ أَقْفِزَ لِمُوَاصَلَةِ لُعْبَتِي المُفَضَّلَةِ.»
فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، لَمْ يُقَرِّرْ أَنْ يُعَاقِبَ نَفْسَهُ، بَلْ قَرَّرَ أَنْ يُجْرِيَ تَجْرِبَةَ اخْتِبَارٍ، كَمَا يَفْعَلُ العُلَمَاءُ الحَقِيقِيُّونَ.
أَحْضَرَ مِنَ المَطْبَخِ ثَلَاثَ عُلَبٍ زُجَاجِيَّةٍ شَفَّافَةٍ، وَوَرَقَةً لَاصِقَةً.
كَتَبَ عَلَى العُلْبَةِ الأُولَى بِخَطٍّ وَاضِحٍ: «وَقْتُ البِنَاءِ»، وَهُوَ وَقْتُ الدَّرْسِ وَالمُرَاجَعَةِ. وَكَتَبَ عَلَى الثَّانِيَةِ: «وَقْتُ اللَّعِبِ»، وَهُوَ وَقْتُ الهَاتِفِ وَالمَرَحِ. وَكَتَبَ عَلَى الثَّالِثَةِ: «وَقْتُ الحَيَاةِ»، وَهُوَ وَقْتُ لَعِبِ الكُرَةِ مَعَ الأَصْدِقَاءِ وَزَرْعِ النَّبَاتَاتِ وَالِاعْتِنَاءِ بِالحَدِيقَةِ وَتَجَاذُبِ الحَدِيثِ وَالحِوَارِ وَالنِّقَاشِ مَعَ العَائِلَةِ.
ثُمَّ أَحْضَرَ كِيسًا فِيهِ ثَلَاثُونَ كُجَّةً زُجَاجِيَّةً صَغِيرَةً، زَرْقَاءَ وَلَامِعَةً، كُلُّ كُجَّةٍ تُسَاوِي نِصْفَ سَاعَةٍ مِنْ يَقَظَتِهِ. قَالَ: "سَأَرَى اللَّيْلَةَ أَيْنَ تَذْهَبُ حَيَاتِي."
وَفِي مَسَاءِ اليَوْمِ الأَوَّلِ، نَظَرَ إِلَى العُلَبِ. كَانَتْ عُلْبَةُ اللَّعِبِ مُمْتَلِئَةً حَتَّى الحَافَّةِ وَتَكَادُ تَفِيضُ، وَعُلْبَةُ البِنَاءِ فَارِغَةً إِلَّا مِنْ كُجَّتَيْنِ يَتِيمَتَيْنِ، وَعُلْبَةُ الحَيَاةِ فَارِغَةً تَمَامًا.
ضَحِكَ مِنْ نَفْسِهِ ضِحْكَةً حَزِينَةً وَقَالَ بِصَوْتٍ مَسْمُوعٍ: "هَذِهِ مُعَادَلَةٌ خَاسِرَةٌ. كَيْفَ يَنْجَحُ بِنَاءٌ بِلَا وَقْتٍ؟"
وَمُنْذُ الغَدِ، اخْتَرَعَ نِظَامًا أَسْمَاهُ فِي دَفْتَرِهِ: «دُسْتُورُ فَارِسٍ لِلتَّحَكُّمِ فِي الوَقْتِ» كَتَبَ فِيهِ ثَلَاثَةَ قَوَانِينَ بِلَا مُسَاوَمَةٍ:
سَمَّى القَانُونَ الأَوَّلَ «الشَّمْسُ قَبْلَ القَمَرِ» حَيْثُ لَا تُفْتَحُ شَاشَةٌ إِلَّا بَعْدَ أَنْ تَمْتَلِئَ عُلْبَةُ البِنَاءِ بِأَرْبَعِ كُجَّاتٍ كَامِلَةٍ. الدَّرْسُ هُوَ الشَّمْسُ، وَاللَّعِبُ هُوَ القَمَرُ، وَالقَمَرُ لَا يُضِيءُ بِدُونِ وُجُودِ الشَّمْسِ.
وَسَمَّى القَانُونَ الثَّانِيَ «الهَاتِفُ يَنَامُ بَعِيدًا» حَيْثُ لِلْهَاتِفِ بَيْتٌ جَدِيدٌ، لَيْسَ غُرْفَةَ النَّوْمِ، بَلْ رَفٌّ فِي المَطْبَخِ، يَنَامُ هُنَاكَ بِدَايَةً مِنَ الثَّامِنَةِ مَسَاءً، حَتَّى لَا يَهْمِسَ فِي أُذُنِهِ لَيْلًا.
وَسَمَّى القَانُونَ الثَّالِثَ «يَوْمُ الِاكْتِشَافِ» حَيْثُ تَقَرَّرَ يَوْمُ الجُمُعَةِ بِلَا شَاشَةٍ. سَمَّاهُ يَوْمَ اليَدَيْنِ، يَكْتَشِفُ فِيهِ شَيْئًا بِيَدَيْهِ لَا بِإِصْبَعِهِ: يَزْرَعُ حَبَّةَ فُولٍ فِي عُلْبَةِ يَاغُورْتَ، يُفَكِّكُ دَرَّاجَتَهُ وَيُرَكِّبُهَا، يَقْرَأُ قِصَّةً وَرَقِيَّةً حَتَّى يُشْبِعَ شَغَفَهُ وَحُبَّهُ الكَبِيرَ بِالمُطَالَعَةِ وَالقِرَاءَةِ.
كَانَ اليَوْمُ الأَوَّلُ صَعْبًا جِدًّا. كَانَتْ يَدُهُ تَتَحَرَّكُ لَا إِرَادِيًّا نَحْوَ الرَّفِّ، كَأَنَّهَا تَبْحَثُ عَنْ شَيْءٍ فَقَدَتْهُ. لَكِنَّهُ قَاوَمَ، وَمَلَأَ عُلْبَةَ البِنَاءِ، وَلَمَّا أَنْهَى وَاجِبَاتِهِ قَبْلَ المَغْرِبِ، اكْتَشَفَ شَيْئًا نَسِيَهُ: أَنَّ النَّهَارَ طَوِيلٌ جِدًّا، وَأَنَّ لَدَيْهِ وَقْتًا فَائِضًا.
خَرَجَ يَلْعَبُ الكُرَةَ مَعَ أَصْدِقَائِهِ فِي الحَيِّ، وَعَلَا صَوْتُهُ وَضِحْكَتُهُ حَتَّى غَطَّتْ عَلَى كُلِّ أَصْوَاتِ الأَلْعَابِ الإِلِكْتُرُونِيَّةِ. عَادَ إِلَى البَيْتِ وَوَجْهُهُ مُحْمَرٌّ، وَقَلْبُهُ يَخْفِقُ بِفَرَحٍ حَقِيقِيٍّ، لَا فَرَحٍ افْتِرَاضِيٍّ.
بَعْدَ أُسْبُوعَيْنِ، حَدَثَتِ المُعْجِزَةُ الصَّغِيرَةُ الَّتِي يُحِبُّهَا الأَطْفَالُ. فَفِي حِصَّةِ العُلُومِ، سَأَلَ الأُسْتَاذُ عَدْنَانُ: "مَنِ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَشْرَحَ لَنَا كَيْفَ تَنْبُتُ البَذْرَةُ؟"
رَفَعَ فَارِسٌ يَدَهُ بِثِقَةٍ لَمْ يَعْرِفْهَا مُنْذُ شَهْرٍ، وَتَذَكَّرَ حَبَّةَ الفُولِ الَّتِي زَرَعَهَا فِي يَوْمِ الِاكْتِشَافِ، كَيْفَ انْتَفَخَتْ، وَكَيْفَ تَشَقَّقَتْ، وَكَيْفَ مَدَّتْ جَذْرًا أَبْيَضَ صَغِيرًا كَخَيْطٍ، ثُمَّ سَاقًا خَضْرَاءَ شَقَّتِ التُّرَابَ بِقُوَّةٍ عَجِيبَةٍ. فَشَرَحَ الدَّرْسَ لَا كَمَنْ حَفِظَهُ، بَلْ كَمَنْ عَاشَهُ.
سَكَتَ القِسْمُ كُلُّهُ يَسْمَعُهُ، ثُمَّ صَفَّقَ المُعَلِّمُ وَقَالَ جُمْلَتَهُ الَّتِي كَتَبَهَا فَارِسٌ بَعْدَ ذَلِكَ وَعَلَّقَهَا فَوْقَ مَكْتَبِهِ: "هَذَا هُوَ التَّعَلُّمُ الحَيُّ يَا فَارِسُ. التَّرْكِيزُ عَضَلَةٌ، وَعَضَلَتُكَ الآنَ عَادَتْ قَوِيَّةً."
وَفِي آخِرِ الثُّلَاثِيِّ الدِّرَاسِيِّ الأَوَّلِ مِنْ ذَلِكَ العَامِ، عَادَ فَارِسٌ إِلَى المَنْزِلِ وَقَلْبُهُ يَكَادُ يَطِيرُ مِنَ الفَرْحَةِ. سَلَّمَ بِطَاقَةَ النَّتَائِجِ المَدْرَسِيَّةَ إِلَى وَالِدَتِهِ وَتَعَانَقَا عِنَاقًا طَوِيلًا، فَهَذِهِ المَرَّةَ كَانَتِ العَلَامَاتُ مُخْتَلِفَةً وَالمُعَدَّلُ الثُّلَاثِيُّ مُرْتَفِعًا: 17 مِنْ 20. وَفِي إِحْدَى الخَانَاتِ، كَتَبَ المُعَلِّمُ بِخَطٍّ أَحْمَرَ جَمِيلٍ: «مُمْتَازٌ عَمَلًا وَسُلُوكًا، اليَوْمَ عَادَ تَرْكِيزُكَ، فَعَادَ نَجَاحُكَ. اِسْتَمِرَّ»
فِي المَسَاءِ، وَضَعَ فَارِسٌ هَاتِفَهُ فِي عُلْبَتِهِ الزُّجَاجِيَّةِ، وَنَظَرَ إِلَيْهِ طَوِيلًا، كَصَدِيقَيْنِ تَصَالَحَا بَعْدَ خِصَامٍ، وَقَالَ لَهُ مُبْتَسِمًا: "أَنْتَ أَدَاةٌ ذَكِيَّةٌ وَجَمِيلَةٌ، لَكِنَّكَ لَا تَزْرَعُ حَدِيقَةً، وَلَا تُصْلِحُ دَرَّاجَةً، وَلَا تَحُلُّ مَسْأَلَةً، وَلَا تَجْعَلُنِي بَطَلًا. البَطَلُ لَيْسَ مَنْ يَرْبَحُ نُجُومًا فِي الشَّاشَةِ، البَطَلُ هُوَ مَنْ يَمْلِكُ وَقْتَهُ، وَلَا يَتْرُكُ وَقْتَهُ يَمْلِكُهُ."
وَمُنْذُ ذَلِكَ الحِينِ، صَارَ إِذَا رَأَى صَدِيقًا غَارِقًا فِي الشَّاشَةِ، لَا يَقُولُ لَهُ "اُتْرُكِ الهَاتِفَ"، بَلْ يُرِيهِ عُلْبَتَهُ الزُّجَاجِيَّةَ الثَّلَاثَ وَكُجَّاتِهِ الزَّرْقَاءَ، وَيَقُولُ: "لَا تُحَارِبِ الهَاتِفَ، نَظِّمْهُ. اِجْعَلْ لَهُ بَيْتًا وَوَقْتًا، وَلَا تَدَعْهُ يَسْكُنُ فِي كُلِّ بُيُوتِكَ وَأَوْقَاتِكَ."
اِنْتَهَتْ
القَصَّاصُ وَالمُفَكِّرُ: الكَيْلَانِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ بُوسْتَةَ
البَلَدُ: الجُمْهُورِيَّةُ التُّونِسِيَّةُ
