( البطل الذي هزم سوبرمان )
وصل البطلُ الخارقُ إلى منطقتنا بعد علمه بوجود مخلوقات فاسدة فيها.
بردائه الأزرق والأحمر ، والعلامة الشهيرة فوق صدره، وتسريحة شعره التي لا تهزّها ريح ، عرف الجميع إسمه.
إنه البطل الخارق سوبرمان.
وفي الأشرفيّة ، كان وصوله الأول.
وما إن غطَّ على إسفلتِ الطريق ، حتى تجمهر حوله جمهور "الأشرفيّين".
قالوا له : " أهلاً بك في ديارنا يا سوبرمان".
أجابهم : " ثانك يو! هل أنا في لبنان؟ "
أجابوه متعجّبين : " لا .. أنت في مارونستان".
تلعثم سوبرمان وهمس في نفسه :
" هذه أول مرّة تخطىء فيها إحداثيّات عينيّ وأذنيّ".
فسألهم : " إف يو بليز. أين يقع لبنان؟ "
قالوا له : " لبنان؟ لا نعرف".
غضب من نفسه ومن هؤلاء الجاهلين الذين لا يعرفون شيئاً ، وطار بسرعةِ البرقِ إلى منطقةٍ أخرى.
غطّ في منطقة تبعد بضعة كيلومترات شمالاً .
وما إن وطأت قدماه ساحة دائرية شهيرة ، حتى حام حوله المارة.
قالوا له : " أهلا بك سوبرمان. ماذا أتيت تفعل؟".
أجابهم : " أتيت أحارب الفساد في لبنان".
نظروا إلى بعضهم بعضهما متعجبين ، وصرخوا :
" أنت لست في لبنان".
صُدِم سوبرمان.
هذة المرة الثانية التي تخطىء فيها إحداثيات عينيه وأذنيه.
فسألهم : " أين أنا إذن ؟"
أجابوه : " أنت في سنّستان".
" سنّستان؟ وأين لبنان؟" ، قال.
حدَّقوا في عيون بعضهم بعضاً ولاذوا بالصمت والفرار ، لأنهم لا يعلمون.
زأر سوبرمان غاضباً ، وصرخ في نفسه محتجاً :
" ألى أين؟ ألى أين أرسلتِني يا لويسْ؟ " .
ثم طار غاضباً إلى منطقة أخرى.
وبينما كان رداءه الأحمر يرفرف مع الريح العاصفة ،
وشعيرات رأسه ما زالت في مكانها لا تتحرك قيد أنملة ، رأى جبلاً عالياً في الأفق.
وقرب الجبل بحرٌ وشاطىء.
فصاح في نفسه ، وعلى طريقة أرخميدس :
" وجدتها! ".
وعلى إثر فرحته ، "فقش" إصبعاً بإصبع ، فسقطت ، من شدّة "الفقشة" ، طائرة حربية إسرائيلية ، كانت "تكزدر" في السماء.
" لا بد أن هذا الجبل العالي هو لبنان" ، حلّل سوبرمان.
وهو الذي كان قد سمع ، في يومٍ من الأيام ، في إحدى القاعات الموسيقية ، أغنية طربية شرقية ، تتحدّث عن معجزة الجبل القريب إلى الوادي.
ولمّا سأل أحد المنتشين طرباً :
" في أي معجزة يقع هذا البلد؟".
أو " في أي بلد تقع هذه المعجزة؟".
أجابه المنتشي طرباً : " الأغنية تتحدّث عن لبنان".
فقال له سوبرمان : " آه. تقصد بلد التعايش والتفاعل الحضاري؟"
وفي تلك اللحظة ، تقدّم المنتشي إلى سوبرمان وربت على كتفه.
ثم فجأة ، ومن دون أي سبب ، راح يبكي ويشهق ويولول.
فعلٌ لم يفهمه سوبرمان آنذاك.
لكن ما لسوبرمان وللذكريات الآن.
هناك مهمة وجب عليه فعلها ، وها هو ، رجل المهمات الصعبة ، يطىء بقدميه أرض الجبل العالي.
فوراً تجمهر حوله المارة والأولادِ وسألوه :
" ماذا أتيت تفعل هنا يا سوبرمان؟"
قال لهم : " أتيتُ لأحارب الفساد في لبنان".
نظروا في عيون بعضهم بعضاً مستهزئين.
ثم قالوا :
" عفواً. لكن أنتَ لست في لبنان".
" لستُ في لبنان؟ أين أنا إذن؟" ، زأر غاضباً.
أجابوه : " ويلكوم! أنت في درزستان. أهلاً وسهلاً بك".
وصاح أحدهم لزوجته :
" يا عفاف.قرعة متة لسوبرمان يللا ".
أجابه سوبرمان مسرعاً :
" لا لا...ليس لديّ وقت. سأطير فوراً إلى لبنان قبل أن يقتله الفساد".
وطار سوبرمان ، على وقع قهقهات الجمهور الضاحك.
هذه ثالث مرةٍ تخطىء فيها أحداثيات عينيه وأذنيه.
عرج نحو منطقةٍ تقع في سفح الجبل.
وما إن وطأت قدماه الأرض حتى تجمهر حوله
مجموعةٌ من المارة.
سألوه : " ماذا أتيت تفعل هنا يا سوبرمان؟"
أجابهم : " أتيت أحارب الفساد في لبنان".
فنظروا ، كما السابقين ، في وجوه بعضهم بعضاً
وقالوا :
" لكن أنت لست في لبنان".
قال : " وأين أنا؟"
أجابوه : " أنت في شيعستان".
تسمّر سوبرمان في مكانه.
وصرخ أحد الحجّاج لزوجته :
" يا إم حسين. كَم فراكِة من ديّاتِك تروي قلب سوبرمان".
فصرخَ سوبرمان : " أو ماي غود. ما هذه فراكِة؟ صواريخ دكيكة؟"
ضحك أبو حسين وقال : " لا لا...فراكِة أكل مش صواريخ".
وهنا ، وبسبب تحليلاته الخاطئة ، وإحداثية عينيه وأذنيه المعطّلة ، نفذت عزيمة سوبرمان ، فكاد أن ينهار.
قرّر أن يعود فوراً إلى بلاد العم سام.
نعم. ذهب ولم يعد.
ولا أعرف ماذا فعل بعد عودته إلى هناك.
أحد أصدقائي العاملين في جريدة "الدالي بلانيت"
في مانهاتن ، حيث كان يعمل سوبرمان بشخصية كلارك كينت ، قال أنه تغيّر جداً منذ أن عاد.
لم يعد إنقاذ الناس يعنيه.
وكان يمشي شارد الذهن ، مشتت الأفكار ، عاطلاً عن الخلقِ والإبداع .
حتى أن أحدهم أخبرني أنه ، منذ وقتِ وصوله إلى وقتِ كتابتي لهذا المقال ، صار جُل همّه أن يعرف إلى أي دين هو، وكل شخص غيره ، ينتمي؟".
تصوّروا!
وهناك من أخبرني أيضاً ، وليبقى الحديث بيني
وبينكم ، أنه غالباً ما كان يقف أمام المرآة ويسأل انعكاس وجهه على الزجاج :
" أخريني يا مرآتي الساحرة . أخبريني بصراحتك الفاجرة.
أأنا شيعي؟
أو سنّي؟
أو ماروني؟
أو درزي؟
أو أورثذكسي؟".
وكانت هذه ، ويا للأسف نهاية سوبرمان الحزينة.
أما هنا ، في أحيائنا البعيدة والقريبة ، راح البطل الخارق الآخر ، "الأخرق" من سوبرمان ، الذي إسمه "فساد". راح يمشي في الساحات منتصب القامة ، شامخ الجبين ، فاتلاً شاربيه ، مدّعياً مستأسداً ومتبجحاً أمام المارة :
" أنا! ...أنا البطل الذي هزم سوبرمان!"
( بقلم ربيع دهام)

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق