جاء الحُبّ فجأة
جاء الحُبّ فجأة، لا بوصفه عاطفة، بل كقوّةٍ كونيّةٍ قرّرت أن تختبر توازني.
لم يكن حدثًا، بل انكسارًا في منطق الأشياء؛ كأنّ الزمن تعثّر لحظة دخوله، وكأنّ المعاني القديمة فقدت صلاحيتها دفعةً واحدة.
دخل حياتي كما تدخل الحقيقة حين نكون غير مستعدّين لها: بلا تمهيد، بلا شفقة، وبلا تفسير. لم يطرق باب القلب، لأنّ الأبواب وُجدت للأوهام، أمّا الحقائق فتعبر الجدران. أضاء الغرف كلّها، لا ليمنحني الطمأنينة، بل ليكشف لي كم كنت أعيش في ترتيبٍ زائف، وكم كنت أسمّي الاعتياد سلامًا.
قبل الحُبّ، كانت فوضاي منضبطة؛
فوضى مروّضة، أعرف كيف أبرّرها، وأعرف أين أخفي أسئلتي الكبرى.
لكنّه جاء بفوضى لا تقبل الترويض، فانهارت الخرائط، وتحوّل البيت إلى متاهةٍ لا مركز لها. صرتُ أمشي بلا اتجاه، لا لأنني ضائع، بل لأنّ الاتجاه نفسه صار موضع شك.
علّمني الحُبّ أن الهوية ليست ثابتة، وأنّ القلب كائنٌ قَلِق، يعيد تعريف نفسه عند كل خفقةٍ صادقة. جعلني أقف بين ذاتين:
ذاتٍ تؤمن بالعقل، وذاتٍ تؤمن بالارتباك.
ذاتٍ تبحث عن النجاة، وذاتٍ ترى في الغرق شكلًا آخر من الفهم.
ومنذ حضوره، تغيّر معنى الخوف؛
صار الخوف رغبةً مؤجَّلة، وصارت الرغبة امتحانًا أخلاقيًا.
لم يعد السؤال: ماذا أريد؟
بل: أيّ نسخةٍ منّي تستحق أن تستمر؟
الحُبّ لم يمنحني إجابات، بل نزع عنّي وهم الحاجة إليها.
أقنعني أنّ المعنى لا يُكتشَف في الترتيب، بل في الشجاعة على العيش وسط الفوضى دون إنكارها. وأنّ القلب، حين يصدُق، لا يبحث عن الاستقرار، بل عن الحقيقة… مهما كانت مُربكة.
واليوم، أقف في قلب هذا الاضطراب الواعي، لا أطلب خلاصًا، ولا أبحث عن يقين.
أدرك فقط أنّ الحُبّ لم يأتِ ليُسعدني،
بل جاء… ليوقظني.
خاتمة شعرية:
أتى الهوى كالعاصفِ المستعرِ فهزَّ قلبي هزّةَ المحتضرِ
ما كنتُ أدري أنّه سيجيئني كالنورِ يفضحُ سرَّ ما استترِ
ألقى فوضاهُ في فؤادي فغدا بيتًا يتيهُ بظلِّه المنتشرِ
علّمني أن العيشَ في زلزالهِ فنٌّ، وأن الصبرَ دربُ المنحدرِ
يا حبُّ، يا سرًّا يبدّدُ ما مضى ويعيدُ ترتيبَ الحنينِ في السَّحَرِ
إنّي وقفتُ بمنتصفِ تيّارهِ لا أستطيعُ له فرارًا أو مَفَرِّ
بقلم فادي عايد حروب (الطيّاره)
فلسطين – جميع الحقوق محفوظة
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق