*****************
قادمٌ كالعاصفة
كانت الجنازة الرتيبة تمر من تحت شرفته كل يوم بذات الخطى، يسمونها "الحياة اليومية"، لكنه لم يكن يرى فيها سوى طابور ممتد من الأجساد التي تمشي مخدرة بتذاكر "الوهم الجمعي".
وقف عبد الفتاح وراء زجاج نافذته، يراقب الوجوه المتشابهة، واللحى الباردة، والعيون الشاخصة التي تبحث في الأرض عن أمان مزيف. التفت إلى مكتبه، حيث ينام قلمٌ لا يعرف التدجين، قلمٌ يرفض أن يكون مرآة لتجميل القبح، بل يبغي أن يكون مبضع جراح يعري المستور.
شق الأرض الوعرة
تذكر أولئك الذين قرر أن يمنحهم صوتاً؛ الملحد الذي يصارع الوجود في صمته المطبق، المثالي الذي يطارد يوتوبيا يراها العابرون سراباً، وذاك الذي امتلك شجاعة إعلان حقيقته وتغيير جنسه مستهيناً بقسوة النظرات. بالنسبة لعبد الفتاح، لم تكن الكتابة ترفاً، بل كانت نبشاً في العتمة، وتلمساً لوعور الطريق.
غرس ريشته في الدواة وتمتم:
"إن لم أكتب عن هؤلاء، سأكون مجرد صدى لضوضاء لا معنى لها."
نزل إلى الشارع، حاملاً في جيبه إرثاً يرفضه. كان يعلم أن ما أسهل أن يرث المرء الطمأنينة المزيفة، أن يولد وفي فمه ملعقة من عقيدة جاهزة صاغتها يد السلف. بالنسبة له، كان "دين الجد" مجرد بطاقة هوية جغرافية، جُبّة عثر عليها في خزانة أبيه فارتداها الناس آلياً. أما هو، فقد اختار "دين الكد"؛ أريد إيماناً يشق فيه الشك أرض اليقين كما يشق المحراثُ التربة الصلبة، إيماناً تبذره التساؤلات، وتسقيه دموع القلق الوجودي، وتنميه عواصف الفكر.
الهدنة المسلحة
في المقهى المحاذي للمسجد الكبير، جلس يراقب العابرين. رغماً عنه، وبقناعِ تعايشٍ مسالم ــ يعلم في عمق سريرته أنه موارب وذكياً ــ كان يعبر تفاصيل يومه محاطاً بخيوط التناقض.
جلس بجانب المصلين والمتدينين، منحهم مقعد الاحترام ما داموا يمنحونه مساحة الأمان. لم يفسد عليهم طمأنينتهم، ولم يفتشوا هم في محراب فكره. كان سلاماً مسلحاً بالوعي، هدنة معلنة بين قلمه المتمرد وواقعه المهادن. دفع ثمن القناع راضياً، كضريبة ذكية لحماية "أناه" من ضوضاء المعارك المجانية. تاركاً للظاهر لغة السلام، وللأعماق حرية العصيان.
فجأة، اقترب منه أحدهم، ممن يبيعون "الاعتبار" صكوكاً وغفراناً. نظر إلى مسوداته بنظرة مبطنة بالشماتة، وقال بنبرة لزجة: "شُدَّ الصَّفَّ تَنْجُ يا بني..."
ابتسم عبد الفتاح ابتسامة باردة، وتحدثت روحه داخله:
"وما الصَّفُّ إلَّا جِنَازَةٌ طَوِيلَة؟ إذَا ارْتَخَتْ خُطَاكَ ثَانِيَةً، أَلْقَوْا بِاسْمِكَ فِي مَقَابِرِ المَاضِي، وَمَحَوْا مَلَامِحَكَ النَّبِيلَة."
زئير النمر
لم يتوقف الرجل عند هذا، بل أردف مواسياً عن خيباتٍ قديمة عاشها عبد الفتاح حين نهشته نيوب الأيام في عتمات السنين ولم يجد حوله إلا صدى التأوه: "ربّي كتبلك هذا.. ربّي معاك"، وغمز بعينه لمن حوله بسخرية مثقوبة في الثنايا.
شعر عبد الفتاح بزئير النمر يتحرك في صدره. أي مكتوب هذا الذي يصنعه صمت العاجزين؟ وأي قدر يعلقون عليه موتهم الفكري؟ أين كان هذا "المعاك" حين كان يُجلد بسياط الغرباء؟ وحين كان دمه يصرخ وهم في صلواتهم نائمون؟
قام من مقعده، لملم أوراقه بثبات كسر ذلك الانسجام الظاهري المزيف. نظر في عيون صاحب اللحية الباردة، ولم ينطق، بل تركت نظراته الحادة الرسالة الأخيرة معلقة في الهواء:
أنا النمر الذي لا يدجنه القفص، ولا يقبل صدقات الحروف، ولا يمشي في مواكب الخوف. سأظل خارج صفكم، معي فكري، ومعي كبريائي.. وليعلك الماضي من شاء، أما أنا.. فَقَادِمٌ كَالعَاصِفَة..
بقلمي عبدالفتاح الطياري -تونس
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق