القحط الفكري
في زمن القحط الفكري، لا يموت الناس من نقص الحقيقة، بل من وفرة الأوهام. يظنّ البعض أن التنازل يروّض الوحوش، وأن الانحناء للعاصفة يحفظ الأشجار من الكسر، فينسون أن بعض العواصف لا تبحث إلا عن أشجارٍ تركع لتقتلعها بسهولة.
لا تُلقِ سيفك أمام الذئب ثم تنتظر منه أن يصبح راعيًا. فالذئب لا يفهم لغة الرحمة، بل يفهم ارتعاش اليد التي تخلّت عن سلاحها. وأول تنازل تقدّمه لعدوك ليس آخر ما سيأخذه منك، بل أول ما سيعلّمه أن الطريق إلى ما تبقّى من كرامتك مفتوح.
الطامع يشبه النار؛ إن منحتها عودًا، طلبت غابة. وإن منحتها غابة، بحثت عن مدينة. فلا تخدعك لحظة هدوءٍ يصنعها عدوّك بعد تنازلك، فذلك ليس سلامًا، بل استراحة صيّادٍ يتأمّل فريسته بعد أن تأكّد من كسر ساقها.
وحين تستيقظ متأخرًا، ستجد أن الدموع لا تطفئ ما أشعلته الزلّة، وأن الدم الذي يبكيه الندم لا يمحو أثر الركوع. عندها لن يرحمك من اعتاد أن يراك تتراجع، لأن المفترس لا يشفق على فريسةٍ علّمته بنفسها كيف ينهشها.
فاحذر الزلّة قبل وقوعها، فإن السقوط من القمم يبدأ بخطوةٍ صغيرة يبرّرها العقل العطِش، ثم تتحوّل إلى هاويةٍ كاملة. وما أكثر الذين باعوا موقفًا ظنّوه هيّنًا، فاشتروا به عمرًا كاملًا من الذلّ.
في القحط الفكري، أخطر الأكاذيب ليست تلك التي يقولها العدو، بل تلك التي يهمس بها الخوف في أذنك: "تنازل قليلًا لينتهي الأمر."
وما يدري الخوف أن الأفاعي لا تترك فريستها لأنها استسلمت، بل تلتفّ حولها أكثر.
الاستاذ؛ فاروق بوتمجت( الجزائر)

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق