قصة العباب بقلم: بشير قادري
لم يكن سفير يعرف إلى أين يمضي تلك اللّيلة.
خرج من بيته كما يخرج الغريق من دوامة لا يرى لها شاطئًا. لم يحمل معه قرارًا، ولم يحدّد وجهة، ولم يسأل نفسه حتى عن الطّريق. اكتفى بأن أدار مفتاح السّيارة، فانبعث صوت أمّ كلثوم من أعماق الزمن: "للصبر حدود"
ارتجف قلبه، بدت الأغنية وكأنّها لم تُغنَّ قبل عقود، بل وُلدت في تلك اللّحظة خصيصًا له، وألقيت في وجهه كحجر في بئر ساكنة.
أشعل الأضواء وانطلق.
كان يقود كمن يسير داخل حلم. نصفه ما يزال ممدّدًا على فراشه، ونصفه الآخر يركض في عتمة العالم. لم يكن يمسك المقود بقدر ما كان يستسلم له، كأنّ يديه تحفظان طريقًا لم يعد عقله يتذكره.
همس بصوت متعب:
خذيني حيث تشائين إلى الواحة أو إلى البحر إلى آخر الأرض أو حتى إلى ما بعدها.
كان الطريق ينساب تحت العجلات كجدول أسود لا نهاية له. ضغط على دواسة السّرعة أكثر. لم يعد يرى الممهلات، ولم يكترث لإشارات المرور. كان شيء ما بداخله يركض أسرع من السيارة، وأبعد من أي طريق.
بدأ المطر يهطل خفيفًا، قطرات متفرقة أول الأمر، ثمّ زخات رقيقة راحت تتناثر فوق الزّجاج الأمامي. حدّق فيها طويلًا. لم يرَ ماءً، رأى دموعه كانت القطرات تنساب متعانقة، تتجمّع ثمّ تتفرق، وفي كلّ مرة يخيل إليه أنها ترسم اسمًا واحدًا: رنوة.
أغمض عينيه لحظة.
رنوة المرأة التي لم تحتل ذاكرته فحسب، بل سكنت فيها حتى أفرغتها من كل شيء سواها. فقد الزمن شكله كله منذ أن أُدخلت إلى المشفى. لا أيام ولا أشهر ولا أسماء. بقي اسم واحد فقط يضيء في عتمة روحه، كجمرة وحيدة في رماد.
تذكّرها كما تُذكَر الأغاني القديمة، بلا ترتيب ولا إنذار.
تذكّر وجهها القمحي في ذلك الصّباح حين أتت تطرق بابه بحجة كتاب أعارها إياه، وهي تعرف أنه ذريعة، وهو يعرف أنها تعرف، وكلاهما اختار الصّمت الجميل على الاعتراف. تذكّر شعرها الأسود الطّويل حين أطلقته في مهب ريح الجنوب، فبدا كليل صحراوي هادئ ينسكب فوق كتفيها. وتذكّر عينيها اللّتين كانتا تتكلّمان حين تصمت شفتاها، وتصمتان حين تتكلم، فلا تعرف أيّهما تصدق. وتذكّر صوتها المبحوح حين تضحك، ضحكة تشبه أغنية ناقصة تتوقف قبل أن تكتمل، فيظل الأثر يرن في الهواء.
كان يحفظها كما يحفظ الشاعر قصيدته الوحيدة التي لم يكتبها بعد.
بين الغفوة واليقظة ظل يقود. مر الوقت أو ربما توقف.
وحين بدأ ضوء الفجر الرّمادي يتسلّل إلى الأفق، انتبه فجأة إلى لوحة كبيرة على الطّريق. كان قد وصل إلى الجزائر العاصمة.
توقف قلبه لحظة. ثم أدرك. لم تأخذه السّيارة إلى أي مكان. لقد أخذته إليها. إلى رنوة. إلى المشفى الذي ترقد فيه منذ أيام بين الحياة والموت. الجسد يحفظ ما تنساه الروح حين تنهار.
أوقف السيارة وترجل مسرعًا.
اجتاز الممرات البيضاء الطّويلة كمن يركض داخل كابوس يعرف نهايته ويخافها. كان اللّيل قد منحه إذنًا لا يملكه أحد، فلم تقف في وجهه يد ولم تسأله عين. كان يسمع نبض قلبه فقط، يقرع كبابٍ يخشى ألا يُفتح.
فتح باب الغرفة. هناك كانت ممددة تحت ضوء باهت، وجهها الشّاحب أكثر جمالًا من كلّ الوجوه، وأجهزة كثيرة تحيط بها كأنّها تحرس أنفاسها الأخيرة وتعدّها واحدًا واحدًا.
اقترب بخطوات مرتجفة. ثم ارتمى عند سريرها وأخذ يديها الباردتين بين راحتيه، كأنه يحاول أن يعيد إليهما دفء كل اللحظات التي عاشاها معًا. وراح يهمس:
(يا رب لا تأخذها مني .. يا رب اشفها خذ من عمري ما تشاء واتركها لي. )
تحرك جفنها ببطء، ثم فتحت عينيها. بدت مبهورة كأنّها ترى رؤيا. حاولت أن تتكلّم. كانت الأجهزة تقيد جسدها، والضّعف يطوّق أنفاسها. لكنّ الحبّ كان أقوى من الألم، كما يكون الشّوق أحيانًا أقوى من الجسد كلّه. كأنّ صوته صوت سفير . كان هو الدّواء الذي لم يصفه الأطباء. ارتجفت شفتاها. وخرج صوت خافت يشبه النسمة الأخيرة: حبيبي سفير أنت هنا ؟
تجمّد الزمن، توقف المطر. وسكتت أم كلثوم في ذاكرته.
حدّق فيها مذهولًا. لكنّ الكلمات كانت قد استنزفت ما تبقى من قوتها. أغمضت عينيها ببطء، واسترخت ملامحها في هدوء يشبه نهاية موجة لا نهاية البحر.
بقي سفير ممسكًا بيدها. لا يبكي هذه المرة بل يحدّق في وجهها بصمت عميق، كمن يقرأ كتابًا يحفظه عن ظهر قلب ويخشى أن يُسلب منه.
وخلف نافذة الغرفة كان الفجر قد اكتمل، يسكب ضوءه الأول فوق الأرض كأنّه يعد ببداية جديدة. أما في داخله، فكان البحر يواصل عبابه: ذلك الاتساع الهائج الذي لا يهدأ، حيث يلتقي الحبّ بالخوف، والرّجاء بالألم، وتتلاطم الأمواج دون أن يرى الشاطئ ودون أن يبحث عنه.
لأنّ من يُحب حقًا لا يريد أن يصل. يريد فقط أن يظل يبحر.
يتبع
الجزائر في 02/ 06/ 2026

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق