السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الكاتبة الشاعرة الدكتورة عطاف الخوالدة أستاذ اللغة العربية ودراسات في علوم القرآن الكريم والحديث الشريف والتفسير
الموضوع:مقالة ودرس إيضاحي عن
الموعظة الحسنة:
الإيثار
خُلُقٌ يصنع المحبة ويزكّي النفوس
قال تعالى:
﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾
[الحشر: 9]
صدق الله العظيم.
الإيثار خُلُقٌ رفيع، ومنزلةٌ من منازل مكارم الأخلاق، لا يبلغها إلا من سمت نفسه عن الأنانية، واتسع قلبه للآخرين. وهو أن تقدّم حاجة غيرك على حاجتك، وأن تمنح وأنت قادر على الأخذ، وأن ترى الخير لغيرك كما تحبه لنفسك.
وقد ضرب القرآن الكريم أروع الأمثلة في الإيثار حين أثنى على الأنصار رضي الله عنهم، فقال سبحانه:
﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾.
فالإيثار الحقيقي يظهر حين تكون النفس محتاجة، ومع ذلك تختار أن تمنح وتساعد وتواسي.
وليس الإيثار مالًا يُعطى فحسب، بل قد يكون كلمةً طيبةً ترفع معنويات إنسان، أو موقفًا تسند به ضعيفًا، أو عفوًا تتجاوز به عن إساءة، أو وقتًا تمنحه لمن يحتاج إليك، أو علمًا تعلّمه لغيرك، أو رحمةً تخفف بها عن قلب أثقلته الحياة.
وقد قال النبي ﷺ: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه»، رواه البخاري ومسلم.
وهذا الحديث أصلٌ عظيم في تهذيب النفس؛ لأن من أحب الخير للآخرين، ابتعد عن الحسد والأنانية، وأصبح قلبه أكثر صفاءً ورحمة.
وقال ﷺ: «والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه»، رواه مسلم.
فمن جعل نفسه عونًا للناس، جعل الله له من العون نصيبًا، ومن فرّج عن الناس كرباتهم، كان له من فضل الله ورحمته ما يليق بصدق عمله.
الإيثار يبدأ من البيت
إن أجمل مكان نغرس فيه الإيثار هو البيت؛ فالطفل الذي يتعلم أن يشارك إخوته، وأن يقدم الكبير للصغير، وأن يساعد والديه، وأن يواسي المحتاج، ينشأ محبًا للخير، بعيدًا عن الأنانية.
وعلى الوالدين أن يكونا قدوة؛ فالأب والأم لا يعلّمان أبناءهما الإيثار بالكلمات وحدها، وإنما بالممارسة. فإذا رأى الطفل والديه يقدّمان الخير للناس دون انتظار مقابل، تعلّم أن العطاء قيمةٌ وسلوكٌ وحياة.
الإيثار في المجتمع
المجتمع الذي تسوده الأنانية مجتمعٌ تتباعد فيه القلوب، أما المجتمع الذي يتعاون أفراده ويتراحمون ويتكافلون، فهو مجتمع قوي متماسك.
قال رسول الله ﷺ: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد»، رواه البخاري ومسلم.
فإذا تألم فردٌ شعر به الآخرون، وإذا احتاج إنسان وجد من يقف إلى جانبه، وإذا ضاقت الحياة على أحدٍ وجد في المجتمع قلبًا مفتوحًا ويدًا ممدودة.
الإيثار لا يعني إهمال النفس
ومن المهم أن نفهم الإيثار فهمًا صحيحًا؛ فالإيثار لا يعني أن يظلم الإنسان نفسه أو يضيّع حقوقه وحقوق من يعول، وإنما هو أن يقدم الخير للآخرين فيما يستطيع، دون ظلمٍ للنفس أو تقصيرٍ في واجب.
والإيثار في حقيقته انتصارٌ على شح النفس؛ ولذلك قال الله تعالى:
﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾.
فالإنسان قد يملك الكثير، ولكنه يظل فقيرًا في أخلاقه إذا لم يعرف معنى العطاء، وقد يملك القليل، لكنه يكون غنيًا بروحه حين يمدّ يده للآخرين.
ومضات حكمية
ومن يجعلِ الإحسانَ دربًا... لحياتِهِ
يجدْ في قلوبِ الناسِ أصدقَ منزِلِ
وما المرءُ إلا ما يقدّمُ للورى.. عملا
فخيرُ العطاءِ ما أتى دونَ مَنٍّ وزلل
إذا ضاقَ صدرُ الناسِ كنْ أنتَ رأفةً
وإن جارَ دهرٌ، فاستقمْ.... بالتجمّلِ
وأكرمْ ضعيفًا لا يملكُ ردَّ.. الجميلِ
فربُّك. لا ينسى جميلَ.... المتفضّلِ
ولا تحقرنَّ الخيرَ لو كانَ.... قليلَا
فكم قطرةٍ أحيتْ فؤادًَ.. المتعلعل
درس إيضاحي: كيف نمارس الإيثار في حياتنا؟
أولًا: أن نبدأ بأقرب الناس إلينا؛ فنساعد أهلنا ونحسن إلى والدينا ونرحم الصغير ونوقر الكبير.
ثانيًا: أن نتعلم المشاركة، فلا يكون همّنا أن نحصل على كل شيء لأنفسنا.
ثالثًا: أن نساعد المحتاج دون أن نجرحه أو نذكّره بعطائنا.
رابعًا: أن نستخدم الكلمة الطيبة؛ فرب كلمةٍ صادقة أعادت الأمل إلى قلبٍ منكسر.
خامسًا: أن نعفو عندما نستطيع، فالعفو من أجمل صور الإيثار الأخلاقي.
سادسًا: أن نعطي دون انتظار المدح؛ لأن أجمل العطاء ما كان خالصًا لله تعالى.
سابعًا: أن نربي أبناءنا على أن القوة ليست في الأخذ دائمًا، وإنما في القدرة على العطاء حين تكون النفس قادرة على الأخذ.
الخاتمة
فلنزرع الإيثار في بيوتنا وقلوبنا، ولنعلّم أبناءنا أن قيمة الإنسان ليست بما يملك، وإنما بما يمنح ويترك من أثر طيب.
كن للناس عونًا حين تضيق بهم السبل، وكن رحمةً حين تشتد القسوة، ونورًا حين تكثر العتمة، ولا تجعل عطاياك وسيلةً للمنّ والأذى؛ فالله سبحانه يعلم خفايا القلوب، ولا يضيع أجر المحسنين.
وإذا أردت أن تعرف أجمل ما في الإنسان، فانظر إلى ما يفعله حين يستطيع أن يأخذ، ثم يختار أن يُعطي.
فالإيثار ليس أن تخسر شيئًا من أجل الآخرين، بل أن تكسب إنسانيتك وأجرَك ومحبةَ الناس، وأن تترك في الحياة أثرًا لا تمحوه الأيام.
والله ولي التوفيق والنجاح.
بقلم الشاعرة د. عطاف الخوالدة
أستاذ اللغة العربية ودراسات في علوم القرآن الكريم والحديث الشريف والتفسير – الأردن
مراجع للاستزادة
- القرآن الكريم، سورة الحشر، الآية 9.
- صحيح البخاري، كتاب الإيمان وكتاب الأدب.
- صحيح مسلم، كتاب البر والصلة والآداب.
- رياض الصالحين، للإمام النووي، أبواب الإخلاص والبر والصلة وحسن الخلق.
- الأدب المفرد، للإمام البخاري، في أبواب حسن الخلق والصلة والإحسان.
- تفسير ابن كثير، تفسير سورة الحشر، الآية 9.هذه الصياغة تصلح للنشر كمقالة تربوية دينية، وفي الوقت نفسه تصلح أن تكون درسًا إيضاحيًا أو مادة للإلقاء؛ لأنها تجمع بين الآية، والحديث، والتفسير، والتطبيق العملي والحكمة.
*****

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق