الأربعاء، أكتوبر 28، 2026

مجلة وجدانيات الأدبية (( نهاية العالم )) بقلم الكاتب عبدالفتاح الطياري / تونس





نهاية العالم
كان الهواء يعبق برائحة البلاستيك المحترق تحت الشمس وغبار الخرسانة. لم تكن رائحة نهاية العالم كما تصوّرها السينما؛ بلا كبريت متفجر ولا أبواق ملائكية تعلن القيامة، بل مجرد أنفاس باهتة وفاترة لعالم يلفظ أنفاسه في صمتٍ مريب.
​في عربة القطار، لم ينبس أحد ببنت شفة. اهتز هاتف امرأة غزا الشيب صدغيها بإشعار عاجل: تحذير من موجة حر متأخرة. تقنين استهلاك المياه حسب الأحواض. أزاحت الإشعار بحركة آلية من إبهامها، مكررة كوريغرافيا اعتادتها لعشرين عاماً، ثم عادت لتشاهد مقطعاً صامتاً لقط يقفز داخل صندوق كرتوني. وعلى بعد مقعدين منها، كان شاب ببدلة منمقة يراجع عرضاً حول «تحسين تدفق الإمدادات اللوجستية»، وجبينه ينضح عرقاً عجز جهاز التكييف المتهاوي عن تجفيفه.
​كانت تلك أعجب مفارقات العصر: انضباط الكارثة ومواعيدها الصارمة التي تضاهي دقة مواعيد قطارات الضواحي.
​الأنهار الجليدية تنهار في الشمال بدمدمة صاخبة، والغابات الغابرة تتبدد في سحب برتقالية، والأنواع تنقرض بسرعة تحديث برمجي، ومع ذلك، بقيت اجتماعات العاشرة صباحاً قائمة في مواعيدها. يتبادل الناس رسائل البريد الإلكتروني مستهلينها بعبارة: «آمل أنكم بخير في هذه الأوقات المضطربة»، كأن النعت وحده كافٍ لردع الطوفان. ويواصل الجميع فرز أغطية علب الزبادي بعناية بالغة، رغم علمهم التام بأن المكبات تحترق في الهواء الطلق على بعد أربعين كيلومتراً فقط.
​وللهرب من دوار الهاوية، التفتت الشعوب نحو صُنّاع اليقين الزائف؛ أولئك الباعة المتأنقين للكراهية الذين وعدوا بإحكام الأقفال على العدم. ومن قارة إلى أخرى، كانت الآلية ذاتها تدور بخفة مبتذلة: تُرفع الجدران والحدود في وجه الرياح، ويُشار إلى الجار بأصابع الاتهام كأنه المسؤول عن اختناق الكوكب، وتُستقبل مراسيم الإقصاء بالتصفيق، وكأن عزل الآخر قادر على خفض حرارة ميزان الغليان. كان الخطباء يزأرون بوعود النظام والنقاء المستعاد تحت وميض عدسات الهواتف، وتهتف لهم جموع استعدت لمقايضة كل مزقة من حريتها بوهم قبضة مرفوعة؛ بينما التاريخ، الذي ظن أنه شُفي، راح يتلعثم في أردإ فصوله على حافة الجرف، مكللاً طغاة كرتونيين ليشرفوا على سكرات الموت الجماعي في وقفة انضباط عسكري.
​نزل سالم في محطته. في الخارج، كان الضوء غريباً، مكسواً بغبش برتقالي لا يمتّ للغروب الشاعري بصلة؛ كان ذلك رماد بلاد مجاورة، حملته رياح ضلت طريقها ولم تعد تدري أين تدور.
​على الرصيف، من بين شق في الأسفلت، نبتت عشبة صفراء تفحمت قبل أن تتاح لها فرصة الإزهار. توقف أمام واجهة متجر بقالة. كانت حبات الخوخ المستوردة من إسرائيل تبدو شمعية باهظة الثمن، تلمع تحت أضواء النيون الفاقعة. وعلى شاشة معلقة فوق الصناديق، كان مشهد استعراض عسكري باهت يتعاقب مع منحنى تصاعدي لمؤشرات البورصة. كان المحاسب يحدق في الفراغ، منوماً بطنين مضخة التبريد التي تصارع ركود الشارع الدافئ.
​كان الجميع يعلم. كان ذلك هو السر الكبير الذي يُتداول همساً، ويُسكت عنه بإجماع مطبق لكي تستمر الآلة في الدوران ربع ساعة أخرى. لم تكن نهاية العالم جداراً ترتطم به الحضارة بأقصى سرعتها؛ بل كانت تآكلاً يومياً، وسلسلة من التنازلات المهذبة، ورخاءً فاتراً يتقلص سنتيمتراً كل صباح بينما يتفقد المرء رصيده البنكي.
​دخل سالم بيته. فتح النافذة لتجديد الهواء، لكن هواء الخارج كان أثقل من هواء الغرفة، فعاد وأغلقها. ألقى بمفاتيحه فوق الخزانة، وفتح الصنبور ليسكب خيطاً من ماء فاتر غسل به كأساً، ثم وقف هناك، متسمراً في وسط مطبخه الصامت، ينصت إلى العالم وهو ينطفئ رويداً رويداً بين نبضتين، دون أن يجرؤ أحد على ضغط جرس الإنذار.
​فجأة، شق السكون مواء قطته المبحوح، تستغيث من وطأة الجوع والعطش؛ هو الذي أذهله صخب العالم عن وجودها طوال غيابه. فتش في مؤونته الخاوية فلم يجد ما يسد رمقها أو يروي غلتها. داهمه وخز الضمير متسائلاً كيف غفل عن أرقّ كائن يشاركه عزلته، فاندفع خارجاً كالملسوع باحثاً عن لقيمة تسكن وجعها. كانت الدكاكين والمغازات قد أوصدت أبوابها وغرقت الشوارع في وحشة تامة، ولم يبق أمامه سوى ما تجود به الحاويات الملقاة على قوارع الطرق. نبش بلهفة حتى عثر على علبة سردين مطموسة التاريخ، خطفها بأصابع مرتجفة وهرول عائداً نحو البيت. دفع الباب بأنفاس متقطعة، وراح يفتش عنها في زوايا الغرف ويناديها في ظلمة الأركان... فلم يجد لها أثراً
بقلمي عبدالفتاح الطياري -تونس

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مجلة وجدانيات الأدبية (( مخاض من قيد الرَّدى )) بقلم الأستاذ الشّاذلي دمّق

.. مَخاضٌ مِنْ قيْد الرَّدَى . قُلْناها"وَلاَتَ حَين مَناص"واسْتكمَلْنا جميع الجروحْ فمتى إذًا ليْلُكِ يَجْلُو وَ صَبَاحُكِ مُسْ...