****************************
الدكتور بهاء الخيلاني: حين يلتقي الطب بالثقافة وتزدهر الإنسانية.
بقلم: عماد خالد رحمة – برلين
في مسيرة الحياة يلتقي الإنسان بشخصيات كثيرة، بعضها يمرُّ مرور العابرين، وبعضها يترك في الذاكرة أثراً عميقاً لا تمحوه الأيام. ذلك لأن حضورها لا يُقاس بما حققته من نجاحات مهنية فحسب، بل بما تمتلكه من قيم إنسانية نبيلة، وما تتركه من أثر إيجابي في حياة الآخرين. ومن بين الشخصيات المهمة التي التقيتها في ألمانيا، يبرز اسم الدكتور بهاء الخيلاني بوصفه نموذجاً استثنائياً للإنسان الذي نجح في الجمع بين التفوق العلمي والالتزام الاجتماعي، وبين المعرفة المهنية والرسالة الثقافية، وبين الانتماء الوطني والانفتاح الإنساني.
ينحدر الدكتور بهاء الخيلاني من محافظة ديالى العراقية، تلك الأرض التي أنجبت عبر تاريخها الطويل شخصيات علمية وثقافية تركت بصماتها في ميادين متعددة. وقد حمل معه إلى ألمانيا إرثاً حضارياً وثقافياً عريقاً، واستطاع أن يحوّل تجربة الاغتراب إلى مساحة للعطاء والإبداع والتواصل، ليصبح واحداً من الشخصيات العربية المعروفة والمحترمة في مدينة برلين وفي أوساط الجاليات العربية والألمانية على حد سواء.
على الصعيد المهني، يُعد الدكتور بهاء الخيلاني من الكفاءات الطبية المتميزة، فهو طبيب اختصاصي في الأمراض الباطنية، حاصل على أعلى المؤهلات المهنية الألمانية في مجال اختصاصه، وهي شهادة «الفاخ آرتس» التي تمثل أرفع درجات التأهيل الطبي التخصصي في ألمانيا، وتعادل في قيمتها العلمية والعملية درجة الدكتوراه التخصصية. كما أنه عضو في نقابة الأطباء الألمانية، وقد عمل في عدد من المستشفيات الألمانية والعراقية، مكتسباً خبرة واسعة جعلته يحظى بثقة زملائه ومرضاه واحترامهم.
غير أن ما يميز الدكتور بهاء الخيلاني حقاً هو أنه لم يحصر رسالته في حدود المهنة الطبية، بل أدرك أن الإنسان كائن متعدد الأبعاد، وأن الصحة لا تقتصر على الجسد وحده، بل تشمل العقل والروح والثقافة والانتماء. لذلك اتسعت دائرة اهتماماته لتشمل الشأن الثقافي والاجتماعي والإنساني، فكان من مؤسسي منتدى الثقافة العربية في برلين، ذلك الصرح الثقافي الذي أسهم في تعزيز حضور الثقافة العربية في المشهد الثقافي الألماني، وفتح آفاق الحوار والتفاعل بين أبناء الجاليات العربية والمجتمع الألماني.
كما سعى جاهداً لتأسيس جالية عربية في برلين .فقد عمل فترة من الزمن مرئيس المجلس المحلي للجاليات العربية في برلين وبراندنبورغ، وهو موقع يعكس حجم الثقة التي يحظى بها بين أبناء الجاليات المختلفة. ومن خلال هذا الدور، عمل على ترسيخ قيم التعاون والتضامن والتواصل بين مكونات المجتمع العربي في المهجر، وسعى إلى بناء جسور من التفاهم والانفتاح مع المجتمع الألماني، انطلاقاً من إيمانه بأن الاندماج الحقيقي لا يتحقق بالتخلي عن الهوية، بل بالحفاظ عليها والانفتاح في الوقت نفسه على ثقافة الآخر واحترامها.
وإلى جانب ذلك، يشارك بفاعلية في نشاطات الجمعية الطبية العربية الألمانية، كما يسهم في دعم مؤسسات المجتمع المدني ومبادرات حقوق الإنسان، إدراكاً منه لأهمية العمل الأهلي في بناء المجتمعات وتعزيز قيم المواطنة والتسامح والعدالة.
أما في المجال الثقافي، فإن الدكتور بهاء الخيلاني يمثل نموذج المثقف العضوي الذي لا يكتفي بالاهتمام النظري بالثقافة، بل يجعل منها فعلاً يومياً وممارسة حية. فهو عاشق للأدب والموسيقى والفنون، ويؤمن بأن الثقافة هي الوعاء الأوسع الذي يحفظ هوية الشعوب ويصون ذاكرتها الجماعية. لذلك دأب على تنظيم الندوات الفكرية والمحاضرات الثقافية والأمسيات الأدبية والفنية التي تسهم في إبراز الوجه الحضاري المشرق للثقافة العربية والإسلامية، وتعرّف الآخرين بإسهاماتها التاريخية في بناء الحضارة الإنسانية.
ولعل أكثر ما يلفت النظر في شخصية الدكتور بهاء الخيلاني هو ذلك التوازن الجميل بين النجاح المهني والتواضع الإنساني. فعلى الرغم من مكانته العلمية والاجتماعية المرموقة، فإنه يبقى قريباً من الناس، دمث الأخلاق، رقيق المعشر، واسع الصدر، يتمتع بحس إنساني رفيع وشفافية صادقة تجعل كل من يلتقيه يشعر بأنه أمام إنسان يحمل في قلبه محبة حقيقية للآخرين.
لقد جمعتني به صداقة إنسانية وفكرية وثقافية أعتز بها كثيراً، وشهدت لقاءاتنا حوارات معمقة حول الفكر والأدب وقضايا المجتمع والإنسان، كما امتدت أحياناً إلى فضاءات الموسيقى والغناء العربي الأصيل، حيث يكشف صوته الجميل وإحساسه المرهف عن جانب آخر من شخصيته المتعددة الأبعاد؛ ذلك الجانب الذي يؤمن بأن الجمال ضرورة إنسانية لا تقل أهمية عن العلم والمعرفة.
ولم يكن غريباً أن يحظى الدكتور بهاء الخيلاني بمحبة واسعة واحترام كبير بين أبناء الجاليات العربية في برلين وخارجها؛ فالمحبة الحقيقية لا تُفرض بالمناصب ولا تُشترى بالمصالح، بل تُكتسب من خلال الصدق والإخلاص والعطاء المتواصل. وقد استطاع عبر سنوات طويلة من العمل الجاد أن يرسخ حضوره بوصفه شخصية جامعة، تجمع ولا تفرق، وتبني ولا تهدم، وتدعو إلى الحوار بدل الصراع، وإلى التعاون بدل التنافر.
إن الحديث عن الدكتور بهاء الخيلاني هو حديث عن نموذج مضيء من نماذج الكفاءات العربية في المهجر؛ نموذج يؤكد أن النجاح الحقيقي لا يقاس بما يحققه الإنسان لنفسه فقط، بل بما يقدمه للآخرين من خدمة وعطاء وتأثير إيجابي. وهو في الوقت نفسه شاهد حي على قدرة الإنسان العربي على الإبداع والتميز والمساهمة الفاعلة في المجتمعات التي يعيش فيها، دون أن يتخلى عن جذوره الثقافية والحضارية.
ومن القلب، أتمنى للدكتور بهاء الخيلاني ولأسرته الكريمة دوام الصحة والعافية والتوفيق والنجاح، وأن يواصل رسالته الإنسانية والثقافية النبيلة التي جعلت منه شخصية محبوبة ومحترمة في برلين، ورمزاً من رموز العطاء العربي المشرق في ألمانيا، وأن تبقى جسور التواصل والمحبة ممتدة بيننا على الدوام، لما فيه خير الإنسان والثقافة والمجتمع.
د. بهاء الخيلاني

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق