الأربعاء، أكتوبر 21، 2026

مجلة وجدانيات الأدبية (( سلسلة : حكايات فارس والوقت " فارس والأوقات التي لا يراها أحد ")) بقلم الكاتب التونسي الكيلاني بن عبدالله بوستة





سِلْسِلَةُ: حِكَايَاتُ فَارِسٍ والوَقْتِ
فَارِسٌ وَالأَوْقَاتُ الأَحَدَ عَشَرَ الَّتِي لَا يَرَاهَا أَحَدٌ


كَانَ يَوْمَ السَّبْتِ، وَالسَّمَاءُ رَمَادِيَّةٌ، وَالكَهْرَبَاءُ مَقْطُوعَةٌ، وَالهَاتِفُ لَا يَشْحِنُ، وَالكُرَةُ ضَائِعَةٌ فِي السَّطْحِ.
جَلَسَ فَارِسٌ فِي وَسَطِ غُرْفَتِهِ وَصَرَخَ صَرْخَتَهُ الشَّهِيرَةَ:
ـ مَلَلٌ! مَلَلٌ! أَنَا زَهْقَانٌ! مَا عِنْدِي شَيْءٌ أَفْعَلُهُ!
جَاءَتْ أُمُّهُ وَفِي يَدِهَا كَوْمَةُ غَسِيلٍ، وَقَالَتْ:
ـ خُذْ مُكَعَّبَاتِكَ.
ـ لَعِبْتُ بِهَا.
ـ خُذْ أَلْوَانَكَ.
ـ لَوَّنْتُ بِهَا.
دَخَلَتِ الجَدَّةُ وَقَالَتْ كَلِمَتَهَا السِّحْرِيَّةَ:
ـ اُتْرُكِيهِ زَهْقَانَ.
تَعَجَّبَ فَارِسٌ:
ـ تَتْرُكِينِي زَهْقَانَ؟!
قَالَتِ الجَدَّةُ: نَعَمْ. هَذَا هُوَ الوَقْتُ الأَوَّلُ الَّذِي لَا يَرَاهُ النَّاسُ: «وَقْتُ المَلَلِ».
كُلُّ النَّاسِ تَظُنُّ أَنَّ الوَقْتَ الفَارِغَ وَقْتٌ ضَائِعٌ. وَأَنَا أَقُولُ: الوَقْتُ الفَارِغُ هُوَ البَطْنُ الَّتِي تَلِدُ فِيهَا الأَفْكَارُ. كُلُّ المُخْتَرِعِينَ كَانُوا زَهْقَانِينَ فِي الأَوَّلِ. اِجْلِسْ عِشْرِينَ دَقِيقَةً بِلَا شَيْءٍ.
جَلَسَ فَارِسٌ يَعُدُّ النُّقَطَ فِي السَّقْفِ... وَفَجْأَةً قَفَزَ:
ـ وَجَدْتُهَا! سَأَبْنِي مَدِينَةً مِنْ عُلَبِ الكَرْتُونِ!
وَبَيْنَمَا يَبْنِي، رَأَى أُمَّهُ تَجْرِي مِنَ المَطْبَخِ إِلَى الغَسِيلِ إِلَى رَامِي.
فَقَالَ ضَاحِكًا:
ـ مَامَا، أَنْتِ لَا تَفْعَلِينَ شَيْئًا!
قَالَتِ الجَدَّةُ: تَعَالَ أُرِيكَ الوَقْتَ الثَّانِي: «وَقْتُ أُمِّكَ الَّذِي لَا يَرَاهُ أَحَدٌ».
أَعْطَتْهُ وَرَقَةً وَقَالَتْ: اُكْتُبْ كُلَّ مَا تَفْعَلُهُ أُمُّكَ مِنْ السَّادِسَةِ إِلَى العَاشِرَةِ.
كَتَبَ فَارِسٌ: 6:00 تُوقِظُنَا، 6:30 فُطُورٌ، 7:00 تَنْظِيفٌ، 8:00 غَسِيلٌ، 9:00 مُسَاعَدَةُ رَامِي...
وَفِي الظُّهْرِ كَانَتِ الوَرَقَةُ قَدِ امْتَلَأَتْ.
صَرَخَ فَارِسٌ:
ـ يَوْمُ أُمِّي فِيهِ سِتٌّ وَثَلَاثُونَ سَاعَةً! وَلَا نَرَاهَا!
قَالَتِ الجَدَّةُ: لِأَنَّ هُنَاكَ أَوْقَاتًا لَا تُرَى لَكِنَّهَا هِيَ الَّتِي تَجْعَلُ كُلَّ أَوْقَاتِنَا مُمْكِنَةً، مِثْلَ جُذُورِ الشَّجَرَةِ تَحْتَ الأَرْضِ.
خَجِلَ فَارِسٌ وَحَمَلَ الغَسِيلَ مَعَ أُمِّهِ، ثُمَّ نَظَرَ مِنَ النَّافِذَةِ فَرَأَى يَاسِينَ يَلْعَبُ بِالدَّرَّاجَةِ.
قَالَ بِحُزْنٍ: يَاسِينُ أَنْهَى وَاجِبَهُ فِي عَشْرِ دَقَائِقَ، وَأَنَا أَحْتَاجُ ثَلَاثِينَ! لَيْتَ وَقْتِي مِثْلُ وَقْتِهِ!
قَالَ أَبُوهُ الَّذِي سَمِعَهُ: هَذَا هُوَ الوَقْتُ الثَّالِثُ: «وَقْتُ المُقَارَنَةِ».
اُنْظُرْ إِلَى هَاتَيْنِ السَّاعَتَيْنِ، سَاعَةُ الأَرْنَبِ وَسَاعَةُ السُّلَحْفَاةِ، هَلْ إِحْدَاهُمَا فَاسِدَةٌ؟ كُلُّ وَاحِدٍ لَهُ سَاعَتُهُ. إِذَا رَاقَبْتَ سَاعَةَ غَيْرِكَ، ضَاعَتْ سَاعَتُكَ. مَنْ رَاقَبَ وَقْتَ غَيْرِهِ، ضَاعَ وَقْتُهُ.
عَادَ فَارِسٌ إِلَى مَدِينَتِهِ، وَتَذَكَّرَ أَنَّهُ لَمْ يُكْمِلْ وَاجِبَ الرِّيَاضِيَّاتِ، فَجَاءَتْ أُمُّهُ وَقَالَتْ: هَلْ أَكْمَلْتَهُ؟ فَكَذَبَ وَقَالَ: نَعَمْ!
وَجَلَسَ يَلْعَبُ لَكِنَّ قَلْبَهُ لَمْ يَلْعَبْ. كَانَ يُفَكِّرُ: مَاذَا لَوْ سَأَلَتْنِي عَنِ المَسْأَلَةِ الثَّالِثَةِ؟ عَلَيَّ أَنْ أُخَبِّئَ الدَّفْتَرَ!
هَمَسَتِ الجَدَّةُ: هَذَا هُوَ الوَقْتُ الرَّابِعُ: «وَقْتُ الكَذِبِ ذُو الوَقْتَيْنِ».
الصَّادِقُ يَحْتَاجُ وَقْتًا وَاحِدًا لِيَعِيشَ يَوْمَهُ. أَمَّا الكَاذِبُ فَيَحْتَاجُ وَقْتَيْنِ: وَقْتٌ لِيَعِيشَ كَذِبَتَهُ، وَوَقْتٌ آخَرُ لِيُخْفِيَهَا وَيَخَافَ. لِذَلِكَ الكَاذِبُ يَوْمُهُ ثَمَانٍ وَأَرْبَعُونَ سَاعَةً مِنَ التَّعَبِ، وَالصَّادِقُ يَوْمُهُ أَرْبَعٌ وَعِشْرُونَ سَاعَةً مِنَ الرَّاحَةِ.
لَمْ يَتَحَمَّلْ فَارِسٌ فَقَامَ: مَامَا، كَذَبْتُ!
اِبْتَسَمَتْ أُمُّهُ: كُنْتُ أَنْتَظِرُ وَقْتَكَ الثَّانِيَ حَتَّى يَنْتَهِيَ. الآنَ ارْتَحْتَ؟ قَالَ: نَعَمْ، كَأَنَّ يَوْمِي رَجَعَ خَفِيفًا!
وَبَعْدَ الظُّهْرِ، فَتَحَ فَارِسٌ صُنْدُوقًا فِيهِ صُوَرُهُ وَهُوَ صَغِيرٌ وَصُورَةُ بَيْتِهِمِ القَدِيمِ وَصُورَةُ جَدِّهِ المُتَوَفَّى، فَبَكَى: أُرِيدُ أَنْ أَرْجِعَ!
ضَمَّتْهُ الجَدَّةُ وَقَالَتْ: هَذَا هُوَ الوَقْتُ الخَامِسُ: «الوَقْتُ الَّذِي يَمْشِي إِلَى الوَرَاءِ».
هُنَاكَ وَقْتَانِ فِي قَلْبِكَ: وَقْتٌ يَمْشِي إِلَى الأَمَامِ لِنَعِيشَهُ وَهُوَ اليَوْمُ، وَوَقْتٌ يَمْشِي إِلَى الوَرَاءِ لِنُحِبَّهُ وَهُوَ الذِّكْرَيَاتُ. تَذَكَّرِ المَاضِيَ بِقَلْبِكَ، وَعِشِ الحَاضِرَ بِقَدَمَيْكَ، وَلَا تَجْعَلِ الحُبَّ يَدُوسُ عَلَى الحَيَاةِ.
مَسَحَ دُمُوعَهُ، ثُمَّ قَالَتْ أُمُّهُ: هَيَّا نَذْهَبُ لِلطَّبِيبِ لِأَخِيكَ رَامِي.
فِي المُسْتَوْصَفِ، كَانَ هُنَاكَ طَابُورٌ طَوِيلٌ. جَلَسَ فَارِسٌ دَقِيقَةً وَاحِدَةً فَقَالَ: هَذَا الوَقْتُ لَا يَمُرُّ! أَنَا تَعِبْتُ!
قَالَتِ الجَدَّةُ: هَذَا هُوَ الوَقْتُ السَّادِسُ: «وَقْتُ الاِنْتِظَارِ، الوَقْتُ الَّذِي يَطُولُ وَحْدَهُ».
الوَقْتُ يَطُولُ حِينَ تَنْتَظِرُهُ، وَيَقْصُرُ حِينَ تَنْسَاهُ. لَا تَنْتَظِرِ الوَقْتَ، اِمْلَأْ وَقْتَ الاِنْتِظَارِ. اِقْرَأْ، سَبِّحْ، اُرْسُمْ.
فَأَخْرَجَ فَارِسٌ وَرَقَةً وَبَدَأَ يَرْسُمُ مَدِينَتَهُ الكَرْتُونِيَّةَ فِي وَرَقَةٍ، فَمَرَّتِ السَّاعَةُ كَأَنَّهَا عَشْرُ دَقَائِقَ.
وَعِنْدَمَا عَادُوا، وَجَدُوا أَبَاهُ قَدْ عَادَ مِنَ العَمَلِ مُتْعَبًا وَصَامِتًا، يَجْلِسُ وَلَا يَتَكَلَّمُ.
قَالَ فَارِسٌ: بَابَا لَا يَفْعَلُ شَيْئًا مِثْلَ مَامَا، هُوَ يَجْلِسُ فَقَطْ!
قَالَتِ الأُمُّ بِحَزْمٍ: بَلْ هَذَا هُوَ الوَقْتُ السَّابِعُ الَّذِي نَسِينَاهُ: «وَقْتُ الأَبِ الصَّامِتِ».
يَا فَارِسُ، أَنْتَ كَتَبْتَ وَقْتَ أُمِّكَ فِي البَيْتِ، وَلَمْ تَكْتُبْ وَقْتَ أَبِيكَ خَارِجَ البَيْتِ. أَبُوكَ يَخْرُجُ فِي الخَامِسَةِ فَجْرًا، ثَمَانِي سَاعَاتِ عَمَلٍ شَاقٍّ، سَاعَتَانِ فِي الطَّرِيقِ وَالزِّحَامِ، وَسَاعَةٌ يُفَكِّرُ فِيهَا فِي فَاتُورَةِ الكَهْرَبَاءِ وَهُوَ صَامِتٌ. وَقْتُ أُمِّكَ يُرَى فِي البَيْتِ، وَوَقْتُ أَبِيكَ يُرَى فِي الشَّارِعِ، وَكِلَاهُمَا جُذُورٌ لَا تُرَى. وَقْتٌ يَبْكِي وَوَقْتٌ يَصْمُتُ، وَكِلَاهُمَا تَعَبٌ.
قَامَ فَارِسٌ وَقَبَّلَ يَدَ أَبِيهِ وَقَالَ: سَامِحْنِي يَا بَابَا، لَمْ أَرَ وَقْتَكَ.
ثُمَّ خَرَجَ لِيُنَادِيَ يَاسِينَ، فَلَمْ يَجِدْهُ، قَالَتْ أُمُّ يَاسِينَ: يَاسِينُ زَعْلَانُ، لِأَنَّكَ لَمْ تَسْأَلْ عَنْهُ مُنْذُ يَوْمَيْنِ.
قَالَ فَارِسٌ: لَكِنِّي كُنْتُ مَشْغُولًا!
قَالَتِ الجَدَّةُ: هَذَا هُوَ الوَقْتُ الثَّامِنُ: «وَقْتُ الصَّدَاقَةِ الَّذِي يَحْتَاجُ سَقْيًا».
الصَّدَاقَةُ مِثْلُ البَذْرَةِ الَّتِي رَأَيْتَهَا فِي قِصَّةِ الوَقْتِ المُسْتَعَارِ، إِذَا لَمْ تَسْقِهَا كُلَّ يَوْمٍ بِخَمْسِ دَقَائِقَ: كَيْفَ حَالُكَ؟ هَلْ أَنْتَ بِخَيْرٍ؟ تَتَشَقَّقُ تُرْبَتُهَا وَتَمُوتُ. الصَّدَاقَةُ لَيْسَتْ كَلَامًا، بَلْ هِيَ وَقْتٌ خَفِيٌّ لِلسَّقْيِ.
ذَهَبَ فَارِسٌ وَطَرَقَ بَابَ يَاسِينَ وَقَالَ: عِنْدِي خَمْسُ دَقَائِقَ لِسَقْيِ صَدَاقَتِنَا، هَلْ تَلْعَبُ مَعِي؟ فَضَحِكَ يَاسِينُ وَعَادَتْ الصَّدَاقَةُ خَضْرَاءَ.
وَفِي اللَّيْلِ، مَرِضَ رَامِي وَارْتَفَعَتْ حَرَارَتُهُ، وَجَلَسَ فَارِسٌ بِجَانِبِهِ وَالسَّاعَةُ تَمْشِي بِبُطْءٍ شَدِيدٍ، كُلُّ دَقِيقَةٍ كَأَنَّهَا سَاعَةٌ.
قَالَ فَارِسٌ: لِمَاذَا اللَيْلُ طَوِيلٌ هَكَذَا؟
قَالَتِ الجَدَّةُ: هَذَا هُوَ الوَقْتُ التَّاسِعُ: «وَقْتُ المَرَضِ، حِينَ يَمْشِي الوَقْتُ بَطِيئًا».
حِينَ نَكُونُ بِصِحَّةٍ، يَمْشِي الوَقْتُ سَرِيعًا وَلَا نَشْعُرُ بِهِ وَلَا نَشْكُرُهُ. وَحِينَ نَمْرَضُ، يُبَطِّئُ اللهُ لَنَا الوَقْتَ لِنَتَعَلَّمَ قِيمَةَ الوَقْتِ السَّرِيعِ. الصِّحَّةُ هِيَ أَنْ يَمْشِي وَقْتُكَ سَرِيعًا وَأَنْتَ لَا تَشْعُرُ، وَالمَرَضُ هُوَ أَنْ يَمْشِيَ بَطِيئًا لِتَتَعَلَّمَ شُكْرَ السُّرْعَةِ. قُلِ الحَمْدُ للهِ عَلَى الوَقْتِ السَّرِيعِ.
وَفِي نَفْسِ اللَّيْلِ، تَذَكَّرَ فَارِسٌ أَنَّهُ كَسَرَ سَيَّارَةَ رَامِي مُنْذُ يَوْمَيْنِ وَلَمْ يَعْتَذِرْ. فَذَهَبَ إِلَى رَامِي المَرِيضِ وَقَالَ: آسِفٌ يَا رَامِي عَلَى سَيَّارَتِكَ.
فَقَالَ رَامِي بِتَعَبٍ: خَلَاصْ، لَمْ أَعُدْ أُحِبُّهَا، رَمَيْتُهَا.
حَزِنَ فَارِسٌ، فَقَالَتِ الجَدَّةُ: هَذَا هُوَ الوَقْتُ العَاشِرُ: «وَقْتُ الاِعْتِذَارِ الَّذِي يَصْغُرُ».
الاِعْتِذَارُ مِثْلُ الخُبْزِ السَّاخِنِ، لَهُ وَقْتٌ خَفِيٌّ، إِذَا قَدَّمْتَهُ سَاخِنًا فِي أَوَّلِهِ، قِيمَتُهُ كَبِيرَةٌ وَيُشْبِعُ القَلْبَ، وَإِذَا تَأَخَّرْتَ وَبَرَدَ بَعْدَ يَوْمَيْنِ، لَا أَحَدَ يُرِيدُهُ. اِعْتَذِرْ فِي وَقْتِهِ قَبْلَ أَنْ يَبْرُدَ الخُبْزُ.
بَكَى فَارِسٌ وَقَالَ: سَأَعْتَذِرُ سَاخِنًا بَعْدَ هَذَا.
وَفِي آخِرِ اللَّيْلِ، بَعْدَ أَنْ نَامَ الجَمِيعُ، جَلَسَتِ الجَدَّةُ مَعَ فَارِسٍ وَقَالَتْ: بَقِيَ وَقْتٌ وَاحِدٌ أَخِيرٌ لَا يَرَاهُ أَحَدٌ أَبَدًا، لَكِنَّهُ هُوَ الَّذِي يُبَارِكُ العَشَرَةَ كُلَّهَا.
قَالَ فَارِسٌ: مَا هُوَ؟
قَالَتْ، اَلْوَقْتُ الْحَادِيَ عَشَرَ: «وَقْتُ اللهِ، الوَقْتُ الَّذِي يُبَارِكُ كُلَّ الأَوْقَاتِ».
هُنَاكَ دَقِيقَتَانِ خَفِيَّتَانِ لَا تَرَاهُمَا فِي جَدْوَلِكَ، دَقِيقَةٌ بَعْدَ الصَّلَاةِ تَقُولُ فِيهَا: يَا رَبِّ بَارِكْ لِي فِي وَقْتِي وَوَقْتِ أُمِّي وَأَبِي، وَدَقِيقَةٌ قَبْلَ النَّوْمِ تَشْكُرُ اللهَ فِيهَا. هَاتَانِ الدَّقِيقَتَانِ مِثْلُ المِلْحِ فِي الطَّعَامِ، لَا يُرَى، لَكِنْ بِدُونِهِ الطَّعَامُ بِلَا طَعْمٍ، وَبِدُونِهِمَا يَوْمُكَ كُلُّهُ بِلَا بَرَكَةٍ.
رَفَعَ فَارِسٌ يَدَيْهِ وَقَالَ: يَا رَبِّ بَارِكْ لِي فِي أَوْقَاتِيَ الأَحَدَ عَشَرَ.
وَفِي الصَّبَاحِ، عَلَّقَ فَارِسٌ لَوْحَةً كَبِيرَةً فِي الصَّالَةِ كَتَبَ عَلَيْهَا:
قَانُونُ الأَوْقَاتِ الأَحَدَ عَشَرَ الَّتِي لَا يَرَاهَا أَحَدٌ :
وَقْتُ المَلَلِ: الوَقْتُ الفَارِغُ لَيْسَ ضَائِعًا، بَلْ هُوَ البَطْنُ الَّتِي تَلِدُ الأَفْكَارَ.
وَقْتُ أُمِّي الخَفِيُّ: هُنَاكَ أَوْقَاتٌ لَا تُرَى لَكِنَّهَا تَجْعَلُ كُلَّ أَوْقَاتِنَا مُمْكِنَةً كَجُذُورِ الشَّجَرَةِ.
وَقْتُ المُقَارَنَةِ: لِكُلِّ وَاحِدٍ سَاعَتُهُ، سَاعَةُ الأَرْنَبِ وَسَاعَةُ السُّلَحْفَاةِ، وَمَنْ رَاقَبَ وَقْتَ غَيْرِهِ ضَاعَ وَقْتُهُ.
وَقْتُ الكَذِبِ: الصَّادِقُ يَوْمُهُ 24 سَاعَةً رَاحَةً، وَالكَاذِبُ يَوْمُهُ 48 سَاعَةً تَعَبًا، وَقْتٌ لِلْكَذِبِ وَوَقْتٌ لِإِخْفَائِهِ.
الوَقْتُ الَّذِي يَمْشِي إِلَى الوَرَاءِ: تَذَكَّرِ المَاضِيَ بِقَلْبِكَ حُبًّا، وَعِشِ الحَاضِرَ بِقَدَمَيْكَ حَيَاةً.
وَقْتُ الاِنْتِظَارِ: الوَقْتُ يَطُولُ حِينَ تَنْتَظِرُهُ وَيَقْصُرُ حِينَ تَنْسَاهُ، فَامْلَأْ وَقْتَ الاِنْتِظَارِ وَلَا تَنْتَظِرِ الوَقْتَ.
وَقْتُ الأَبِ الصَّامِتِ: وَقْتُ أُمِّي يُرَى فِي البَيْتِ، وَوَقْتُ أَبِي يُرَى فِي الشَّارِعِ، وَقْتٌ يَبْكِي وَوَقْتٌ يَصْمُتُ وَكِلَاهُمَا تَعَبٌ.
وَقْتُ الصَّدَاقَةِ: الصَّدَاقَةُ بَذْرَةٌ تَحْتَاجُ خَمْسَ دَقَائِقِ سَقْيٍ كُلَّ يَوْمٍ، وَإِلَّا تَشَقَّقَتْ.
وَقْتُ المَرَضِ: الصِّحَّةُ هِيَ أَنْ يَمْشِيَ وَقْتُكَ سَرِيعًا فَلَا تَشْعُرُ، وَالمَرَضُ هُوَ أَنْ يَمْشِيَ بَطِيئًا لِتَشْكُرَ.
وَقْتُ الاِعْتِذَارِ: الاِعْتِذَارُ خُبْزٌ سَاخِنٌ، قَدِّمْهُ سَاخِنًا فِي وَقْتِهِ قَبْلَ أَنْ يَبْرُدَ فَلَا يُرِيدَهُ أَحَدٌ.
وَقْتُ اللهِ: دَقِيقَتَانِ خَفِيَّتَانِ لِلدُّعَاءِ وَالشُّكْرِ، مِثْلُ المِلْحِ، لَا تُرَى لَكِنَّهَا تُبَارِكُ كُلَّ الأَوْقَاتِ العَشَرَةِ.
_النِّهَايَةُ_
رُكْنُ العَائِلَةِ وَالمَدْرَسَةِ: كَيْفَ تُدَرَّسُ هَذِهِ القِصَّةُ؟
عَزِيزِي المُعَلِّمُ، عَزِيزَتِي الأُمُّ: هَذِهِ القِصَّةُ لَيْسَتْ لِلْقِرَاءَةِ فحسب، بَلْ لِلتَّطْبِيقِ عَلَى مَدَى أُسْبُوعٍ:
يَوْمُ السَّبْتِ: طَبِّقُوا تَجْرِبَةَ المَلَلِ 20 دَقِيقَةً بِلَا شَاشَةٍ.
يَوْمُ الأَحَدِ: طَبِّقُوا وَرَقَةَ 36 سَاعَةً لِوَقْتِ الأُمِّ وَوَقْتِ الأَبِ.
يَوْمُ الاِثْنَيْنِ: رَاقِبُوا سَاعَاتِ المُقَارَنَةِ وَتَعَلَّمُوا قَانُونَ الأَرْنَبِ وَالسُّلَحْفَاةِ.
يَوْمُ الثُّلَاثَاءِ: جَرِّبُوا هَلْ يَوْمُكُمْ 24 أَمْ 48 سَاعَةً بِالصِّدْقِ وَالكَذِبِ.
يَوْمُ الأَرْبِعَاءِ: زُورُوا المُسْتَوْصَفَ أَوْ المَخْبَزَةَ وَحَوِّلُوا وَقْتَ الاِنْتِظَارِ إِلَى وَقْتِ قِرَاءَةٍ.
يَوْمُ الخَمِيسِ: اِسْقُوا صَدَاقَةً بِخَمْسِ دَقَائِقَ، وَقَدِّمُوا اِعْتِذَارًا سَاخِنًا.
يَوْمُ الجُمُعَةِ: اِجْمَعُوا كُلَّ الأَوْقَاتِ بِدَقِيقَتَيْنِ لِوَقْتِ اللهِ.
القِيمَةُ الخِتَامِيَّةُ الكُبْرَى:
لَيْسَ الوَقْتُ مَا تَرَاهُ فِي السَّاعَةِ، بَلْ مَا لَا تَرَاهُ فِي القَلْبِ. مَنْ رَأَى الأَوْقَاتَ الأَحَدَ عَشَرَ الخَفِيَّةَ، مَلَكَ يَوْمَهُ، وَمَنْ لَمْ يَرَهَا، ضَاعَ يَوْمُهُ وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَى السَّاعَةِ.
الكَاتِبُ وَالمُفَكِّرُ التُّونِسِيُّ: الكِيلَانِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ بُوسْتَة
الجُمْهُورِيَّةُ التُّونِسِيَّةُ - 2026

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مجلة وجدانيات الأدبية (( جوهر )) بقلم الشاعر عيسى حموتي

**************  جوھر للاستمتاع بطعم اسمھا، والتقاطھ حرفا حرفا دون انتقاء، لھفا ، يسعى راكضا سمعي. طبلة الاذن تحضن أصواتھ على أوتار النبض تعز...