الأربعاء، أكتوبر 21، 2026

مجلة وجدانيات الأدبية (( الثأر )) بقلم الكاتب أبو العز المشوادي



الثأر…
ابو العز المشوادي
حين يتحول الإنسان من مواطن آمن إلى أسير للخوف .
إن من أخطر الآفات التي قد تصيب المجتمعات ظاهرة الثأر تلك الظاهرة التي تجعل الإنسان أسيرًا للماضي وتربط مستقبله بواقعة قد حدثت، فيظل يحمل في صدره نارًا لا تنطفئ ويعيش بين رغبة في الانتقام وخوف من أن يكون هو الضحية التالية.

فالثأر لا يسلب الإنسان حياته فحسب بل قد يسلبه القدرة على أن يعيش حياته بصورة طبيعية.
فالإنسان الذي يدخل في دائرة الثأر يفقد شيئًا من أعظم النعم التي ينعم الله بها على عباده، وهي نعمة الأمن والأمان يصبح خائفًا متربصًا يحسب خطواته ويراقب من حوله ويتوجس من كل لقاء وقد تتحول علاقاته بالناس إلى علاقات شك وحذر حتى يفقد ثقته بمن حوله ويصبح أسيرًا للقلق والاضطراب.
ولا تقف المأساة عند هذا الحد فقد يضطر الإنسان إلى ترك منزله، أو مغادرة منطقته أو الانقطاع عن عمله أو إغلاق مشروعه التجاري أو التخلي عن مصدر رزقه خوفًا على نفسه وأسرته.
وهنا تتجاوز الخسارة حدود الأفراد لتصيب الاقتصاد والأسرة والمجتمع إذ قد يفقد الأب قدرته على إعالة أبنائه ويحرم الأبناء من الاستقرار والتعليم وتتحمل الزوجة والأطفال أعباء نفسية ومعيشية لم يكونوا طرفًا في النزاع أصلًا.
ومن أشد صور هذه المأساة أن يتحول الخلاف الفردي إلى خصومة بين عائلتين أو قبيلتين فيُحمَّل الأبرياء مسؤولية لم يرتكبوها ويصبح الإنسان مهددًا بسبب اسم عائلته أو صلة قرابته لا بسبب فعل صدر منه وهكذا تتسع دائرة الظلم، ويتحول الانتقام من رد فعل على جريمة إلى سبب لجرائم جديدة ويظل الدم يستدعي الدم، حتى تضيع الحقيقة بين روايات متضاربة وذاكرة لا تريد النسيان.
إن الثأر لا يعيد الميت إلى الحياة ولا يمحو ألم الفقد وإنما يضيف إلى الفاجعة فواجع أخرى فكم من أسرة فقدت عزيزًا ثم فقدت بعده أبناء آخرين وكم من طفل نشأ على الخوف والكراهية وكم من شاب ضاعت سنوات عمره بين السجون والملاحقات والخصومات وكم من أسرة هُجّرت من موطنها مع أن أفرادها كانوا يتطلعون إلى حياة كريمة آمنة.
ومن الناحية الاجتماعية فإن انتشار الثأر يضعف الثقة بين أفراد المجتمع ويعطل التعاون ويجعل الناس أقل استعدادًا للدخول في شراكات أو علاقات اجتماعية جديدة فالمجتمع الذي يخشى فيه الإنسان جاره أو يخاف فيه العامل على طريقه إلى عمله أو يتردد فيه التاجر في ممارسة نشاطه هو مجتمع تُستنزف طاقاته في الحذر والصراع بدلًا من البناء والإنتاج.
وقد يظن بعض الناس أن الثأر دليل شجاعة أو وفاء لكن الشجاعة الحقيقية ليست في توسيع دائرة الدم وإنما في امتلاك النفس عند الغضب والقدرة على منع الظلم من أن يتحول إلى ظلم جديد.
والوفاء للميت لا يكون بتعريض مزيد من الأرواح للهلاك بل بحفظ كرامته وصيانة أسرته ومنع تكرار المأساة.
وقد وضع الإسلام أساسًا عظيمًا لمعالجة هذه القضية فدعا إلى العدل وحرّم الاعتداء وفتح باب العفو والصلح دون إهدار حقوق المظلومين.
قال الله تعالى:﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ [الأنعام: 164].
وهذه قاعدة عظيمة تقرر أن الإنسان لا يتحمل ذنب غيره فلا يجوز الاعتداء على قريب الجاني أو فرد من عائلته بسبب جريمة لم يرتكبها.
وقال سبحانه: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ [النحل: 126].
فالإسلام لا يجعل الغضب الشخصي سلطة مفتوحة للانتقام بل يضبط استيفاء الحقوق بالعدل والشرع ويبيّن فضل الصبر والعفو ومن هنا تأتي أهمية اللجوء إلى القضاء والجهات المختصة والاستعانة بأهل الإصلاح والحكمة بدلًا من ترك مصائر الناس لأهواء الأفراد وردود الأفعال.
إن مواجهة الثأر مسؤولية مشتركة؛ تبدأ من الأسرة التي تربي أبناءها على أن الدماء ليست مجالًا للتفاخر وتمتد إلى المؤسسات التعليمية والدينية والإعلامية التي تنشر ثقافة التسامح والعدالة، وإلى الجهات المعنية التي تحمي الأرواح وتطبق القانون على الجميع دون تمييز.
كما أن الإصلاح الحقيقي لا يقتصر على عقد مجالس الصلح وتبادل عبارات التسامح، بل يحتاج إلى معالجة أسباب النزاع وضمان عدم الاعتداء، وحماية المهددين وإعادة بناء الثقة وتمكين الأسر المتضررة من استعادة استقرارها ومصادر رزقها.
إننا بحاجة إلى أن ننتقل من ثقافة الثأر إلى ثقافة العدالة ومن منطق الانتقام إلى منطق المسؤولية ومن توريث الكراهية إلى توريث الحكمة.
فالأوطان لا تُبنى بالأحقاد والعائلات لا تحفظ كرامتها بإراقة الدماء والمجتمعات لا تستقر ما دام الخوف يحكم علاقات أبنائها.
إن أعظم انتصار ليس أن تنتقم من خصمك بل أن تمنع خصومتك من أن تسرق مستقبل أبنائك وأن تحفظ دماء الأبرياء وأن تترك للأجيال القادمة مجتمعًا يستطيع فيه الإنسان أن يعمل ويرزق ويعيش مطمئنًا دون أن يخشى أن يدفع ثمن خلاف لم يكن طرفًا فيه.
فحين يصبح الأمن حقًا مصونًا لكل إنسان والعدل مرجعًا لحل النزاعات والعفو بابًا للإصلاح يبدأ المجتمع في التحرر من أسر الثأر ويستعيد الإنسان حقه في الحياة بكرامة وأمان .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مجلة وجدانيات الأدبية (( جوهر )) بقلم الشاعر عيسى حموتي

**************  جوھر للاستمتاع بطعم اسمھا، والتقاطھ حرفا حرفا دون انتقاء، لھفا ، يسعى راكضا سمعي. طبلة الاذن تحضن أصواتھ على أوتار النبض تعز...